لا يُزدَرى نَبِيٌّ إِلَّا في وَطَنِه وبَيتِه - متى ١٣: ٥٤-٥٨

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، البطريرك الأسبق للّاتين في القدس

٥٤وجاءَ إِلى وَطَنِه، وأَخَذَ يُعَلِّمُ النَّاسَ في مَجمَعِهم، حتَّى دَهِشوا وقالوا: «مِنْ أَينَ لَه هٰذِهِ الحِكمَةُ وتِلكَ المُعجِزات؟ ٥٥أَلَيسَ هٰذا ٱبنَ النَّجَّار؟ أَلَيسَت أُمُّه تُدعى مَريم، وإِخوَتُه يَعقُوبَ ويُوسُفَ وسِمعانَ ويَهوذا؟ ٥٦أَوَلَيسَ جَميعُ أَخَواتِه عِندَنا؟ فَمِن أَينَ لَه كُلُّ هٰذا؟» ٥٧وكانَ لَهم حَجَرَ عَثْرَة. فقالَ لَهم يسوع: «لا يُزدَرى نَبِيٌّ إِلَّا في وَطَنِه وبَيتِه». ٥٨ولَم يُكثِرْ مِنَ المُعجِزاتِ هُناكَ لِعَدَمِ إِيمانِهم.

لا يُزدَرى نَبِيٌّ إِلَّا في وَطَنِه وبَيتِه - متى ١٣: ٥٤-٥٨

الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/ فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران، واشتدت الحرب على جنوب لبنان. وقالوا أمس، الاثنين، ١٥/٦/٢٠٢٦ وقعنا على اتفاق وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. لكن من يدري ما قيمته؟ وجنوب لبنان ليس فيه، والموت مستمر في غزة، والدمار من المستوطنين في كل قرى الضفة مستمر.              

"لقَد أَطعَمتَهم خُبزَ الدُّموع، وسَقَيتَهم فَيضًا مِنَ العَبَرات" ((مزمور ٨٠: ٦).   ارحمنا، يا رب. أيًّا كانت طريقتك، فهي أفضل الطرق. أكانت خبز الدموع، أو فيض العبرات، أو المجاعة أو المذلة من الناس...أنت تعلم كيف تحبًّنا. أنت تحبنا، وتسهر علينا. ونحن وضعنا ثقتنا فيك. نحمل ونصبر ونرجو. لكن، يا رب، من أجل حبك لنا، أنت قلت لرسلك: اطلبوا تجدوا. إنا نطلب باسمك، بحق حبك لنا، نجنا من أرواح الحرب الشريرة. أسرع يا رب، لقد هلكنا. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم

٥٤وجاءَ إِلى وَطَنِه، وأَخَذَ يُعَلِّمُ النَّاسَ في مَجمَعِهم، حتَّى دَهِشوا وقالوا: «مِنْ أَينَ لَه هٰذِهِ الحِكمَةُ وتِلكَ المُعجِزات؟ ٥٥أَلَيسَ هٰذا ٱبنَ النَّجَّار؟ أَلَيسَت أُمُّه تُدعى مَريم، وإِخوَتُه يَعقُوبَ ويُوسُفَ وسِمعانَ ويَهوذا؟ ٥٦أَوَلَيسَ جَميعُ أَخَواتِه عِندَنا؟ فَمِن أَينَ لَه كُلُّ هٰذا؟» ٥٧وكانَ لَهم حَجَرَ عَثْرَة. فقالَ لَهم يسوع: «لا يُزدَرى نَبِيٌّ إِلَّا في وَطَنِه وبَيتِه». ٥٨ولَم يُكثِرْ مِنَ المُعجِزاتِ هُناكَ لِعَدَمِ إِيمانِهم" (٥٤-٥٨).

رجع يسوع إلى الناصرة، المدينة التي نشأ فيها، وفيها ما زالت مريم أمه ويوسف النجار أبوه، وأقاربه. والناس يعرفونه من خلال أقاربه، يعرفون أباه يوسف النجار، وأمه مريم، وسائر الأقارب: "٥٥أَلَيسَ هٰذا ابنَ النَّجَّار؟ أَلَيسَت أُمُّه تُدعى مَريم، وإِخوَتُه يَعقُوبَ ويُوسُفَ وسِمعانَ ويَهوذا؟ ٥٦أَوَلَيسَ جَميعُ أَخَواتِه عِندَنا؟" (٥٥-٥٦). يعرفونه إنسانًا مثلهم. ولا يقدرون أن يتجاوزا أنفسهم وعلمهم البشري، ليؤمنوا به وبما يقوله.

       البعض تعجَّبوا ولم يؤمنوا: " دَهِشوا وقالوا: «مِنْ أَينَ لَه هٰذِهِ الحِكمَةُ وتِلكَ المُعجِزات؟" (٥٤). وغيرهم "٥٧وكانَ لَهم حَجَرَ عَثْرَة " (٥٧).

الإيمان بيسوع المسيح. هذا السؤال الذي يثيره ويطرحه علينا إنجيل اليوم. يسوع بين أهله في الناصرة يعرفونه واحدًا منهم. لا أكثر من ذلك. ونحن مسيحيين، أعضاء في الرعية، في الكنيسة، لكن بأي إيمان؟ هل نحن أعضاء جماعة بشرية؟ وما هي الرعية؟ وما هو كاهن الرعية؟ فلان من بيننا، واحد مثلنا؟ أم واحد يفسر لنا الكتب ويفسر لنا سر يسوع المسيح؟

       بل حياتنا في سر يفوق إدراكنا. ويجب أن نجتهد دائمًا لنتجاوز أنفسنا، لنستقبل هبة الله، لنتقبل يسوع المسيح الذي أظهِر نفسه لنا. نحن في الرعية، والرعية ليست فقط أناسًا يحيطون بنا. هبة الإيمان تعني أن أن الله يريد أن يدخلنا في سر لاهوته المتعالي، في ما يتجاوز إدراكنا البشري وكل واقع الأرض، وفي الوقت نفسه يهدينا. حياتنا في الرعية ليست تعاملا فقط مع مظاهر بشرية في الكنيسة، مع رجال أو نساء، أو رهبان أو راهبات، أو كاهن الرعية وعيره الذي نعرفه في الرعية.

       نؤمن. هبة الإيمان من الله. هو الله الذي يُظهِرُ نفسه لنا. أنا مسيحي، أنا في الرعية، أنا أتعامل مع الله، يجب أن أرى الله، يجب أن أعرف يسوع المسيح إنسانًا حقًّا وإلهًا حقًّا. أضع حياتي كلها وأفراحي وأحزاني في نور حب الله وقدرته.

"فقالَ لَهم يسوع: «لا يُزدَرى نَبِيٌّ إِلَّا في وَطَنِه وبَيتِه». ٥٨ولَم يُكثِرْ مِنَ المُعجِزاتِ هُناكَ لِعَدَمِ إِيمانِهم" (٥٧-٥٨).

يمكن أن نكون مثل أهل الناصرة اعتدنا واكتفينا بمظاهر حياة الرعية، بمظاهرها البشرية، ويمكن أن نصير لامبالين.

أعطانا الله الإيمان. وبكلمته يقيم فينا، ونقيم فيه. ونبقى قادرين على تحرير أنفسنا من أمور الأرض، قادرين لأن نعرف يسوع المسيح، لأن نحيا معه، لنحمل الصليب معه، لنحيا أفراحنا وأحزاننا معه، ولنحمل ويلات الحرب معه.

أنا من عائلة بيت الله، والله أعطاني المقدرة لأن أعرفه. فلا العادة ولا اللامبالاة يجب أن تبعدني عن يسوع المسيح، الإله الحق والإنسان الحق.

ربي يسوع المسيح، أعطيتني أن أومن، وأن أقبل الإيمان، وأن أتجاوز كل شؤون الأرض. أعطني أن أعرفك، وأن أشكرك دائمًا لكل ما تعطيني، وأن أبقى معك، أن أبقى أنا وإخوتي وأخواتي في نورك وحبك. آمين.

الجمعة ٣١/٧/٢٠٢٦                بعد الأحد السابع عشر من السنة