كلمات في رحيل الجار والصديق عماد أبو رحمة

الكاتب : الدكتور عاطف أنيس عبود - شفاعمرو

انتقل إلى رحمة الله تعالى في ميلانو، إيطاليا، صديق العمر ورفيق الطفولة، الدكتور عماد أمين أبو رحمة، بعد صراع مع المرض لم يُمهله طويلًا. عماد، يا جار الرضا ويا رفيق الطفولة…

كلمات في رحيل الجار والصديق عماد أبو رحمة

صعب جدًا أن أكتب عنك، وأنت الذي كان بيتك «الحيط عالحيط» من بيتنا في البلدة القديمة. كبرنا سوا، ولعبنا سوا، وعشنا أيامًا لا تُنسى؛ أيام الحارة والساحة، وتسلق السور، وأكل الرمان، والتِّين الخضاري، وصيد العصافير. كانت أيامًا بسيطة، لكنها بقيت أجمل أيام العمر.

منذ نحو ثمانية وخمسين عامًا، أخذتنا الدنيا كل واحد في طريق. أنت سافرتَ إلى إيطاليا لدراسة الطب، وذهبتُ أنا إلى القدس. تخرجتَ وعملتَ وبنيتَ حياتك هناك، لكنك بقيت ابن البلدة، وظل الحنين إليها يسكنك. كنت تعود إليها كل سنة تقريبًا، وما إن نلتقي حتى تختفي كل تلك السنين وكل تلك المسافات، ونعود نحكي عن أيامنا القديمة، عن البلدة وحيفا والقدس، وكأننا لم نفترق يومًا.

ولا أنسى يوم جئتَ إلى القدس بسيارتك الإيطالية الصغيرة «فيات 500»، التي أحضرتها من إيطاليا. ركبنا فيها سبعة أشخاص! كنا نضحك ونتساءل كيف اتسعت لنا جميعًا. كانت سيارة صغيرة، لكن الدنيا يومها كانت واسعة أمامنا، ومليئة بالأحلام والضحكات.

الدكتور عماد أبو رحمة

وحين رممتَ بيت العائلة في البلدة قبل أربع سنوات، وأعددتَ فيه شقة لك، شعرتُ أنك لم ترمم بيتًا فقط، بل كنت تعود إلى بيت طفولتك، إلى المكان الذي بدأنا فيه، وإلى ذكريات بقيت حاضرة رغم كل السنين.

كانت آخر مرة التقينا فيها قبل ثلاث سنوات. ودعتك يومها ومضيت، ولم أكن أعرف أن ذلك الوداع سيكون الأخير.

اليوم، يا عماد، أشعر أن شيئًا من طفولتي رحل معك. واحدًا بعد آخر، يرحل الأحبة، وتأخذنا الحياة بعيدًا عن بعضنا، حتى أصبحنا نلتقي في الذاكرة أكثر مما نلتقي في الحياة.

لكنني كلما تذكرتك، سأراك كما كنت دائمًا: الصديق وجار الرضا، والذي شاركني أجمل سنوات العمر.

رحمك الله يا عماد رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وألهم أهلك وكل من أحبك الصبر والسلوان.

وداعًا يا صديق الطفولة… يا صديق العمر.

رحلتَ، لكن أيامنا معًا لن ترحل. ستبقى في القلب والذاكرة، وفي تلك الحارة القديمة، وفي كل ضحكة وحكاية جمعتنا.

كنا يومًا طفلين لا نعرف أن الدنيا ستأخذنا إلى آخر الدنيا، وأن السنين ستمضي بنا بعيدًا إلى هذا الحد.

رحمك الله يا عماد، وجمعنا الله وإياك في دار لا فراق فيها.، وستبقى قطعة جميلة من عمرنا الذي مضى ولن يعود.

الراحة الأبدية أعطه يا رب ونورك الدّائم فليشرق أمامه.

 

 

الدكتور عاطف عبود