القديس يعقوب الرسول - متى ٢٠: ٢٠-٢٦
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، البطريرك الأسبق للّاتين في القدس
٢٠فدَنَت إِليهِ أُمُّ ابنَي زَبَدى ومعَها ابناها، وسَجَدَت لَه تَسأَلُه حاجة. ٢١فقالَ لَها: «ماذا تُريدين؟» قالت: «مُرْ أَن يَجلِسَ ابنايَ هٰذانِ أَحدُهما عن يَمينِكَ والآخَرُ عَن شِمالِكَ في مَلَكوتِكَ». ٢٢فأَجابَ يسوع: «إِنَّكُما لا تَعلَمانِ ما تسأَلان: أَتستطيعانِ أَن تَشرَبا الكأسَ الَّتي سَأَشرَبُها؟» قالا لَه: «نَستَطيع». ٢٣فقالَ لَهما: «أَمَّا كَأسي فسَوفَ تَشرَبانِها، وأَمَّا الجُلوسُ عن يَميني وعن شِمالي، فلَيسَ لي أَن أَمنَحَه، بل هو لِلَّذينَ أَعدَّهُ لَهم أَبي. ٢٤وسَمِعَ العَشَرَةُ ذٰلكَ الكلام فاسْتاؤُوا مِنَ الأَخَوَين. ٢٥فدَعاهُم يسوعُ إِليهِ وقالَ لَهم: «تَعلَمونَ أَنَّ رُؤَساءَ الأُمَمِ يَسودونَها، وأَنَّ أَكابِرَها يَتسلَّطونَ علَيها. ٢٦فلا يَكُنْ هٰذا فيكُم، بل مَن أَرادَ أَن يكونَ كبيرًا فيكُم، فَلْيَكُنْ لَكم خادِمًا.
الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/ فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران، واشتدت الحرب على جنوب لبنان. وقالوا أمس، الاثنين، ١٥/٦/٢٠٢٦ وقعنا على اتفاق وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. لكن من يدري ما قيمته؟ وجنوب لبنان ليس فيه، والموت مستمر في غزة، والدمار من المستوطنين في كل قرى الضفة مستمر.
"أَنتَ الإِلٰهُ الصَّانِعُ العَجائب، وبِعِزَّتِكَ قد أَخْبَرْتَ الشُّعوب" (مزمور ٧٧: ١٥). ارحمنا، يا رب. "أَنتَ الإِلٰهُ الصَّانِعُ العَجائب، وبِعِزَّتِكَ قد أَخْبَرْتَ الشُّعوب". حان الوقت، يا رب، فَلْيَرَ أهلُ الحرب قوتك وعزتك. إنا نموت، ونُعذَّب. موت وتعذيب وجوع وعطش ومذلة وتهجير... ربي، لا أشتكي، أستغفر لي ولهم. ضع رحمة، ضع شفقة في قلوب الذين يعذِّبون، وأعطِ القوة للذين يحملون العذاب. تعال، يا رب، ولا تتأخر. أظهر قدرتك، أنت الإله القدير الرحيم، ارحمنا يا رب، ونجنا من كل شر.

إنجيل اليوم
اليوم عيد القديس يعقوب الرسول. الإنجيل يروي لنا قصة الأم تقود ابنيها، رجُلَيْن، من رسل يسوع، وتتشفع بهما لديه. كلهم كانوا يؤمنون أن يسوع هو المسيح، ملك زمني. فجاءت الأم الفخورة بابنيها تسأل المسيح أن يجلس ابناها عن يمينه ويساره. المكان الأول لابنيها. يبدو المشهد غريبا، رجلان بالغان يمكن أن يتكلما عن أنفسهما، يتبعان أمَّهما مثل الصغار... هل سألاها هما أن تتشفع بهما بهذه الصورة؟
استمع يسوع للأم ولصلاتها. ولم يدخل في منطقها. تركها في حبها لابنيها، وكلَّم الرجلين الناضجين أمامه. هو المسيح ابن الله الذي سيُسلَمُ إلى أيدي الرؤساء فيعذبونه ويحكمون عليه بالموت...قال لهما يسوع: «إِنَّكُما لا تَعلَمانِ ما تسأَلان: أَتستطيعانِ أَن تَشرَبا الكأسَ الَّتي سَأَشرَبُها؟» قالا لَه: «نَستَطيع» (٢٢). إنكما لا تعلمان... وأجابا يسوع وهما لا يعلمان: "نقدر". كان يسوع يتكلم عن آلامه وموته، وعن موتهما. أما هما وأمُّهما فكانت الصورة أخرى في مخيلتهما. قال لهما يسوع : «أَمَّا كَأسي فسَوفَ تَشرَبانِها، وأَمَّا الجُلوسُ عن يَميني وعن شِمالي، فلَيسَ لي أَن أَمنَحَه، بل هو لِلَّذينَ أَعدَّهُ لَهم أَبي" (٢٣).
طلبا المكان الأول من المسيح المتألم، وهما لا يعلمان. أطماع بشرية. لكن الله في عالم آخر. الله هو الذي يرى ويقرر في أزليته ويدعو. مكان في السماء يفترض موتين، الأول موتًا عن مصالح وأطماع في الأرض، والثاني الموت الذي هو بذل الحياة في سبيل الله. هكذا يكون الدخول في نور الله.
طلب المكان الأول في السماء. في السماء شوق واحد إلى الله. المكان الأول على الأرض هو مصالح وحروب... في السماء نور ومحبة، ولا مجال للأطماع والمخاصمات. الشوق إلى الله، هو سلام الله، هو صفاء النفس، هو الزهد والتحرر من كل رؤية أرضية. هو دخول في الأبدية.
٢٤وسَمِعَ العَشَرَةُ ذٰلكَ الكلام فاسْتاؤُوا مِنَ الأَخَوَين. ٢٥فدَعاهُم يسوعُ إِليهِ وقالَ لَهم: «تَعلَمونَ أَنَّ رُؤَساءَ الأُمَمِ يَسودونَها، وأَنَّ أَكابِرَها يَتسلَّطونَ علَيها. ٢٦فلا يَكُنْ هٰذا فيكُم، بل مَن أَرادَ أَن يكونَ كبيرًا فيكُم، فَلْيَكُنْ لَكم خادِمًا" (٢٤-٢٦).
الرسل العشرة الباقون كانوا في منطق الأرض نفسه. مسيح زمني وكرامات زمنية، ومَن فيهم هو الأقرب ومن الأكبر ومن الأول؟ وقعوا في الشَّرَكِ نفسه، استاؤوا من الأخوين وأطماعهما. واخذ يسوع يعلِّمُهم جميعًا: "تعلَمونَ أَنَّ رُؤَساءَ الأُمَمِ يَسودونَها، وأَنَّ أَكابِرَها يَتسلَّطونَ علَيها. ٢٦فلا يَكُنْ هٰذا فيكُم، بل مَن أَرادَ أَن يكونَ كبيرًا فيكُم، فَلْيَكُنْ لَكم خادِمًا". في العالم نظامُ سلطة، لا يكن نظامَكم. الحكام يأمرون ويحكمون ويُثقِلون. بينكم لا يكن هكذا. الكبير فيكم ليكن خادمًا. المكان الأخير هو المكان الأول.
جاء يسوع يجدد كل شيء، يخلق الإنسان خلقًا جديدًا، يرجعه إلى الله خالقه، إلى النور. الكبير، الرئيس فيكم ليكُنْ الخادم.
لنخضع للنظام الجديد. نترك كل شيء ونتبع يسوع. لا نكن بطِيئِي الفهم. المكان الأول هو لمن يخدم، هو لمن يبذل حياته، هو البحث عن كل المعذَّبين في الأرض، لنضعهم في المكان الأول، في نور الله.
ربي يسوع المسي، جئت لتعلِّمنا، وتدخلنا في نور الأبدية. صعب علينا أن نتعلَّم. صعب علينا أن نترك كل شيء، كل الهموم والمصالح، لننظر إلى ما بعد الأرض. ربي يسوع المسيح، معك أقدر. املأني بروحك القدوس حتى أفهم أن الحب، حب الله والقريب، وأن أكون كبيرًا، يعني أن أخدم إخوتي وأخواتي. آمين.
السبت ٢٥/٧/٢٠٢٦ بعد الأحد السادس عشر من السنة







