إِذا أَرَدتَ أَن تكونَ كامِلًا، فاذْهَبْ وبِعْ أَمْوالَكَ وأَعْطِها لِلفُقَراء - متى ١٩: ١٦-٢٢

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، البطريرك الأسبق للّاتين في القدس

١٦وإِذا بِرَجُلٍ يَدنو فَيقولُ له: «يا مُعلِّم، ماذا أَعمَلُ مِن صالحٍ لِأَنالَ الحَياةَ الأَبَدِيَّة؟» ١٧فقالَ له: «لماذا تَسأَلُني عَنِ الصَّالِح؟ إِنَّما الصَّالِحُ واحِد. فإِذا أَرَدتَ أَن تَدخُلَ الحَياة، فَاحفَظِ الوَصايا». ١٨قالَ له: «أَيَّ وَصايا؟» فقالَ يسوع: لا تَقتُلْ، لا تَزنِ، لا تَسرِقْ، لا تَشهَدْ بِالزُّور. ١٩أَكرِمْ أَباكَ وأُمَّك، وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ. ٢٠قالَ له الشَّابّ: «هٰذا كُلُّه قد حَفِظْتُه، فماذا يَنقُصُني؟» ٢١قالَ لَه يسوع: «إِذا أَرَدتَ أَن تكونَ كامِلًا، فاذْهَبْ وبِعْ أَمْوالَكَ وأَعْطِها لِلفُقَراء، فَيكونَ لكَ كَنزٌ في السَّماء، وتَعالَ فاتبَعْني». ٢٢فَلَمَّا سَمِعَ الشَّابُّ هٰذا الكلام، اِنصَرَفَ حزينًا لأَنَّه كانَ ذا مالٍ كثير.

إِذا أَرَدتَ أَن تكونَ كامِلًا، فاذْهَبْ وبِعْ أَمْوالَكَ وأَعْطِها لِلفُقَراء - متى ١٩: ١٦-٢٢

الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/ فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران، واشتدت الحرب على جنوب لبنان. وقالوا أمس، الاثنين، ١٥/٦/٢٠٢٦ وقعنا على اتفاق وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. لكن من يدري ما قيمته؟ وجنوب لبنان ليس فيه، والموت مستمر في غزة، والدمار من المستوطنين في كل قرى الضفة مستمر.

"قَريبٌ خَلاصُه مِمَّن يَتَّقونَه، لِيَحِلَّ المَجدُ في أَرْضِنا" (مزمور ٨٥: ١٠). ارحمنا، يا رب. أومن، يا رب، أومن أن الخلاص قريب، وسيحل السلام في أرضنا. أنت الله، القدوس الصالح القدير الأزلي. الجميع ولا سيما أهل الحرب يجب أن يعترفوا بأنهم خليقتك. بأنهم غبار، لا شيء. لماذا تتركهم يتمردون، يا رب، ويعتقدون أنهم أسياد الأرض؟ كل قدرتهم هي للموت والدمار. أظهر قدرتك، يا رب، وليصمت كل عظماء الأرض حاملي الموت. إنّا نؤمن بك، أنت الإله الواحد والسيد الوحيد. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم

"وإِذا بِرَجُلٍ يَدنو فَيقولُ له: «يا مُعلِّم، ماذا أَعمَلُ مِن صالحٍ لِأَنالَ الحَياةَ الأَبَدِيَّة؟" (١٦).

رجل صادق، ليس من الخصوم الذين يحاولون أن يحرجوا يسوع بأسئلتهم، رجل يبحث عن الحياة الأبدية. كان غنيًّا يملك خيرات الأرض، ولم تكفه. كان يطلب أكثر من ذلك. يريد أن يعرف الطريق إلى الحياة الأبدية.

حياة هذه الأرض لا تكفي. الله وضعنا في هذه الأرض، لا لنجد فيها ما يشبعنا، ولا لنتوهَّم أنها الحياة الأبدية، بل لنجعلها طريقًا إلى الحياة الأبدية. هذا الرجل، خيرات الأرض لم تخنق قلبه، ولم تشبعه. لذلك فهو يريد أكثر من الأرض، يريد خالق الأرض. لكن أمواله كانت عائقًا له.

أرشده يسوع إلى الطريق.

"قالَ لَه يسوع: «إِذا أَرَدتَ أَن تكونَ كامِلًا، فاذْهَبْ وبِعْ أَمْوالَكَ وأَعْطِها لِلفُقَراء، فَيكونَ لكَ كَنزٌ في السَّماء، وتَعالَ فاتبَعْني" (٢١-٢٢).

كان الرجل يطلب الحياة الأبدية، الحياة الحقيقية، التي تدوم. لعله لم يكن يعرف عماذا يبحث؟ لم تكن رؤيته واضحة؟ لم يعرف ماذا كان يطلب؟ دلَّه يسوع على طريق النور، وكانت أمواله معوِّقًا له. فذهب حزينًا، وتابع حياته على الأرض بأمواله التي من الأرض...

طلبُ الحياة الأبدية، طلبُ الكمال، هو هبة من الله. والله يعطيها لكل واحد. في كل أشكال الحياة، الله يدعو ويعطي، للذين يكرسون حياتهم له، وللذين يتابعون حياتهم في مسؤولية العائلة.

هل أنت فقير، محتاج؟ لا تسمح لحاجتك أن تصير مولِّدًا لأطماع تتحول إلى قيود لك. هل أنت غني بالأموال؟ ليكن قلبك حرًّا، واعترف بالله دائمًا خالقًا ومانحًا لك كل ما تملك، عش بما تملك، وتقاسمه مع إخوتك أبناء الله. وسر في طريق الكمال، قلبك حُرّ، قادر على أن يرى الله، وأن يبقى في نوره وحبه.

الله دعانا وأعطانا كل ما يلزم لحياتنا، في حياتنا المكرسة وفي حياتنا في مسؤولية الأسرة. في كلا الحالتين الله يعطينا. دعانا وحياتنا هي جواب على حبه. في كلا الحالتين حياتنا رجوع إلى النور، وبحث عن الكمال وعن الحياة الأبدية.

ويمكننا أن نرشد غيرنا إلى الحياة الأبدية إن نحن جعلنا حياتنا بحثًا عنها.

ونعود دائمًا إلى السؤال نفسه. هل نطلب، هل نقدر أن نطلب الحياة ألأبدية في هذه الأرض، بكل ويلاتها وآلامها ومآسيها؟

الرجل الذي جاء يسأل يسوع عن الحياة الأبدية لم يقدر أن يسير بحسب كلام يسوع. أمواله منعته، لا ويلات الأرض وشدائدها. قد تقف أمامنا نحن أيضأ أنواع من المعوقات، الأموال أو ويلات الأرض، النجاح أو الفشل. يمكن أن نفقد قدرتنا على النظر والسمع، لما يقول الله. نحن في أرضنا هذه، الويلات هي التي يمكن أن تغلق قلوبنا.

ومع ذلك، نحن أيضًا نطلب الحياة الأبدية. نريد الحياة الكاملة. يسوع يدلنا على الطريق، لنُصغِ إليه، ولنسر في نوره، ولنطلب منه القوة لنغلب شرور الأرض.

ربي يسوع المسيح، تدعوني إلى الحياة وتعطيني كل ما يلزم لأصل إليها. أعطني القوة لأسمعك، وأسير في نورك، وأبقى دائمًا أطلب الحياة الأبدية. آمين.

الاثنين ١٧/٨/٢٠٢٦                بعد الأحد العشرين من السنة/أ