لا تردُّوا الشرّ بالشر - متى ٥: ٣٨-٤٢

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس

الحرب ٢٥٢ "آمنتُ حتَّى حينَ قلتُ: إِنَّ بُؤسي لشديد. أَنا القائِلَ في اضطِرابي: كُلُّ إِنْسانٍ كاذِب" (مزمور ١١٦: ١٠-١١). ارحمنا، يا رب. إنا نؤمن، بالرغم من كل آلامنا في غزة ورفح. بالرغم من الجوع والعطش والموت، إنا نؤمن بك ربًّا وإلهًا، سيد الحياة، الديان العادل، ومُحِبّ البشر. إنّا نؤمن ونرجو نهاية الحرب. ونموت ونصبر ونرجو. ونستقبل شمسك ومطرك. ونستقبل رحمتك وهي قوتنا في وجه الناس الذين يحملون إلينا الموت. أنت تعلم، يا رب، أنّ "كُلَّ إنسَانٍ كَاذِب"، ولا سيما الإنسان الذي يظن نفسه قويًّا لأنه يقدر أن يقتل أبناءك. ارحمنا جميعًا، يا رب.

لا تردُّوا الشرّ بالشر - متى ٥: ٣٨-٤٢

إنجيل اليوم

        في تكملة الشريعة أيضًا. قال يسوع: لم آتِ لألغي، بل لأكمل.

        " سَمِعتُم أَنَّه قيل: العَينُ بِالعَين والسِّنُّ بِالسِّنّ.  أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: لا تُقاوِموا الشِّرِّير، بَل مَن لَطَمَكَ على خَدِّكَ الأَيْمَن فاعرِضْ لهُ الآخَر" (٣٨-٣٩).

        لا للانتقام. يقول الله: "لِيَ الِانتِقَامُ وَأَنَا أُجَازِي" (الرسالة إلى العبرانيين ١٠: ٣٠). فلا تقعوا في الشر الذي تريدون أن تقاوموه. لا تردُّوا الشر بالشر. قاوموا الشر وأزيلوه، وصحِّحوه بطرق الخير، بطرق الله، والله لا يخذل أحدًا، وهو يكمِّل ما لا يقدر الإنسان أن يقوم به. قد يكون هذا غير واضح في تاريخ البشرية. قد يكون هذا غير واضح في تاريخنا اليوم، في أرضنا المقدسة، في ما نعاني، ونتحمَّل من مظالم واحتلال.

        في هذا نقول: أولا، الله له طرقه، سنراها يومًا. والإيمان بالله أفضل من الاتكال على البشر، أفرادًا وشعوبًا ، كما يقول المزمور: "الِاعتِصَامُ بِالرَّبِّ خَيرٌ مِنَ الِاتِّكَالِ عَلَى البَشَر" (مزمور ١١٨: ٩). الله لا يترك الإنسان، بل هو أمين لكل إنسان أكثر من كل إنسان. وثانيا، نميِّز بين ضرر يساء به إلينا شخصيًّا، وبين ضرر هو اعتداء على الشعب كله، وحرمانه حريته، هو احتلال عسكري، ودمار مدنه وقراه، أو هو حرب من شعب على شعب.

        في حالة الضرر الشخصي، القرارا لنا وحدنا أمام الله، وفي موقفنا نستلهم تعاليم يسوع المسيح، بل "نتخلَّق بأَخلاق المسيح"، كما يقول القديس بولس (فيلبي ٢: ٥). وفي ما يتعلق بالظلم الواقع على الشعب كله (الاحتلال العسكري، والمقاومة والحرب)، يبقى المبدأ نفسه، اتباع تعاليم يسوع المسيح. أما تحديد نوع المقاومة العملية، واسترداد الحرية، فالجماعة والمسؤولون فيها هم الذين يحددون كيف تكون المقاومة. مقاومة الشر هو واجب على كل مواطن، المسيحي مثل كل غيره. تعاليم يسوع المسيح ووصية المحبة الصعبة تلهم موقف المسيحي وبها يقاوم مثل كل مواطن، بكل ما يقتضي ذلك من صعوبات وتضحيات.

        نقتدي إذن بيسوع المسيح، ونقتدي بالله نفسه سبحانه، كما يقول القديس بولس: "اقتَدُوا بِالله عَلِى مِثَالِ الأبنَاءِ الأَحِبَّاء" (أفسس ٥: ١). نقتدي بالله في علاقاتنا بعضنا مع بعض، أفرادًا وشعوبًا. نقتدي بحكمة الله، وبصلاحه، ونضع أنفسنا في نوره. ونفتح عيون قلوبنا حتى نرى، ليس فقط مظالم الناس، بل عدل الله أيضًا.

        يقول الله: طرقي ليست طرقكم. ومع ذلك فكلنا مدعوون إلى الدخول في طرق الله، وفيها نتلمَّس طريقنا في مقاومة المظالم وإزالتها، لنتصرف مثل الله، لنكون كاملين كما أن الله كامل، كما قال يسوع المسيح.

        "ومَن أَرادَ أَن يُحاكِمَكَ لِيَأخُذَ قَميصَكَ، فاترُكْ لَه رِداءَكَ أَيضًا. ومَن سَخَّرَكَ أَن تَسيرَ معه ميلًا واحِدًا. فسِرْ معَه ميلَيْن. مَن سأَلَكَ فأَعطِه، ومَنِ استَقرَضَكَ، فلا تُعرِضْ عنه" (٤٠-٤٢).

        أعطِ. أعطِ بسخاء. لا تخَفْ ممَّن يسألك. الشريعة القديمة تقول: دافع عن نفسك وعن مالك، واقطع اليد الممتدة لتنهب مالك. يسوع يقول دائمًا: يقول الله "لِيَ الِانتِقَامُ وَأَنَا أُجَازِي". من سألك بطريقة أو أخرى، أعطه. قد يكون محتاجًا. وفي كل حال هو أخوك. وكل ما لك، الله وهبك إياه لك ولكل إخوتك. ليكن قلبك كبيرًا مثل قلب الله. كن كريمًا مثل الله أبيك. كل شيء لله، وكل شيء لأبناء الله. كن مشاركًا في حياة الله، وساهم في صنع بشرية تشارك في حياة الله، مهما كان الوضع الحياتي التي نحن فيه، ولو كان صراعًا مع البشر، كما هو الحال اليوم.

        ربي يسوع المسيح، أعطيتنا كثيرًا، مواهب الروح والجسد. ذكِّرنا أننا عائلتك، وأننا كلنا إخوة وأخوات، وأننا نتشارك الخبز الواحد، والأرض الواحدة. وأنت وحدك الديان العادل إذا ظلم أخ أخاه. وأنرنا في طرق مقاومتنا لكل شر يحل بنا. آمين.

الاثنين ١٧/٦/ ٢٠٢٤             بعد الأحد الحادي العاشر من زمن السنة/ب