عظة الأحد الرابع من زمن الفصح – أحد الراعي الصالح
الكاتب : الأب جوني أبو خليل - ممثل البطريركية اللاتينية في حيفا
القيامة - استضافت رعية القديس يوسف للاتين في شفاعمرو، اليوم الأحد 26 نيسان الجاري، قدس الأب جوني أبو خليل، ممثل البطريركية اللاتينية في حيفا، حيث ترأس قداس "أحد الراعي الصالح/ أحد الدعوات". ورحب قدس الأب رامز الطوال، كاهن الرعية في بداية القداس بالكاهن الضيف، الذي ترأس القداس وألقى موعظة حافلة بالمعاني مركزا فيها على معنى الراعي الصالح وخاصة في أيامنا، كما أكد على أهمية الدعوات الكهنوتية والرهبنية. وننشر فيما يلي موعظة الأب جوني أبو خليل كاملة.
أيها الإخوة والأخوات الأحباء،
في هذا الأحد المبارك من زمن القيامة، تقودنا الكنيسة إلى أحد أجمل ألقاب يسوع وأعمقها: الراعي الصالح. فبعد أن تأملنا في القبر الفارغ وفرح القيامة، تريدنا الكنيسة أن نفهم أن المسيح القائم من بين الأموات ليس بعيدًا عنا، بل هو حاضر اليوم، حيّ، يسير وسط شعبه، يقودنا، يرافقنا، ويحملنا في الطريق. فالقيامة ليست ذكرى من الماضي، بل حضور راعٍ حيّ ما زال يعمل في حياة كل واحد منا.
- 1. الإنسان بحاجة إلى راعٍ
في أعماق كل إنسان رغبة عميقة أن يجد من يقوده بأمان.
فالإنسان قد يملك المال، المعرفة، الخبرة، لكنه يبقى محتاجًا إلى من يرافق روحه، ويعطي معنى لحياته، ويقوده حين تضيع الطرق.
وكم من الناس اليوم يعيشون تائهين وسط أصوات كثيرة: صوت الخوف، صوت القلق، صوت الإحباط، صوت المصالح، صوت العالم الذي يعد كثيرًا ويعطي قليلًا.
لهذا يأتي يسوع اليوم ويقول:
«أنا باب الخراف… أنا أتيت لتكون لهم الحياة وتفيض فيهم.»
يسوع لا يأتي ليضيف شيئًا خارجيًا إلى حياتنا، بل ليصير معنى الحياة ونورها ووجهتها.
- 2. الراعي يعرف خرافه بالاسم
يقول الإنجيل:
«يدعو خرافه كل واحد منها باسمه.»
ما أعمق هذه العبارة!
الله لا يعرفنا كجماعة فقط، ولا كأرقام، ولا كأشخاص عابرين.
إنه يعرف كل واحد باسمه.
يعرف تعب الأم على أولادها،
يعرف قلق الأب على بيته،
يعرف حيرة الشاب أمام المستقبل،
يعرف دموع المتألم التي لا يراها أحد،
يعرف الصراع الداخلي الذي نخفيه بابتسامة.
قد ينسى الناس، لكن الله لا ينسى.
قد لا يفهمنا أحد، لكن الراعي يعرفنا من الداخل.

- قصة من أرضنا المقدسة
يُروى أن أحد الحجاج زار بيت لحم، ورأى ثلاثة رعاة قد اختلطت خرافهم قرب عين ماء. فتعجب وقال: كيف سيعرف كل راعٍ خرافه؟
وبعد قليل، نادى أحد الرعاة بصوت اعتادت خرافه سماعه، فإذا بمجموعة منها ترفع رؤوسها وتترك الجميع وتتبع راعيها.
ثم نادى الثاني، فاتبعته خرافه، ثم الثالث كذلك.
فسأل الحاج أحد الرعاة: هل يمكن أن تتبع الخراف شخصًا غريبًا؟
فأجابه الراعي: الخروف الذي يعرف راعيه لا يتبع الغريب، إلا إذا كان مريضًا أو خائفًا أو ضائعًا.
وهنا رسالة لنا جميعًا: حين تكون النفس قريبة من الله، تعرف صوته بسهولة.
أما حين تضعف الروح، ويكثر الخوف، ويبتعد القلب، يصبح الإنسان معرضًا لأن يتبع أصواتًا غريبة.
- هل نعرف صوت المسيح؟
يقول الرب:
«الخراف تتبعه لأنها تعرف صوته.»
في الحياة الروحية، المشكلة ليست أن الله لا يتكلم، بل أن قلوبنا امتلأت بالضجيج.
صوت المسيح هادئ لكنه قوي.
لا يصرخ، بل يدخل القلب.
لا يخيف، بل يطمئن.
لا يجرح، بل يشفي.
صوته يقول:
لا تخف… أنا معك.
سامح… لكي تتحرر.
صلِّ… لكيلا تنطفئ روحك.
اثبت… فالليل لن يدوم.
ارجع إليّ… فأنا أنتظرك.

أما أصوات العالم فكثيرًا ما تقول:
انتقم… اهرب… خاف… لا أمل… عش لنفسك فقط.
فالسؤال اليوم ليس: هل الرب يتكلم؟
بل: أي صوت أسمح له أن يقود حياتي؟
- 5. الراعي يسير أمامنا
يقول الإنجيل:
«سار قدامها وهي تتبعه.»
الراعي الحقيقي لا يدفع خرافه من الخلف، بل يسير أمامها.
وهكذا يسوع لم يطلب منا طريقًا لم يسر فيه أولًا.
دخل الألم قبلنا.
دخل الوحدة قبلنا.
دخل الظلم قبلنا.
حمل الصليب قبلنا.
دخل القبر قبلنا.
وخرج منه منتصرًا.
لذلك حين نمر في الألم، لا نسير وحدنا.
حين نعيش الحيرة، لا نُترك وحدنا.
حين نواجه صليبًا ثقيلًا، هناك من حمل الصليب قبلنا.
نحن لا نتبع معلّمًا يشرح الألم فقط، بل ربًا حوّل الألم إلى قيامة.
- أنا الباب
ويقول الرب: «أنا الباب، فمن دخل مني يخلص.»
هناك أبواب كثيرة يفتحها العالم أمام الإنسان: باب المال، باب الأنانية، باب الكبرياء، باب الكراهية، باب الهروب من الرسالة.
لكن كثيرًا من هذه الأبواب تقود إلى فراغ داخلي.
أما باب المسيح فهو باب: التواضع، الغفران، الأمانة، الصلاة، الثقة بالله، وخدمة الآخر.
من يدخل من هذا الباب يجد خلاصًا وسلامًا ومرعى.
- اللصوص في حياتنا
قال الرب: «السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك.»
كم من أمور تدخل حياتنا مثل لص: خوف يسرق السلام، حقد يسرق المحبة، خطيئة تسرق النعمة، إدمان يسرق الحرية، فتور يسرق الصلاة، أنانية تسرق الفرح. لكن يسوع لا يأتي ليسرق، بل ليعطي. لا يأتي ليأخذ الحياة، بل ليملأها.
- رسالة لنا في أرضنا المقدسة
ونحن في هذه الأرض المباركة والمتعبة، نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى الراعي الصالح.
حين تكثر الجراح، هو الطبيب.
حين يكثر الخوف، هو السلام.
حين يضيع الطريق، هو الباب.
حين يثقل الصليب، هو المعزّي.
حين يطول الليل، هو نور القيامة.
قد لا نفهم كل ما يحدث، لكننا نعرف من يقود الطريق.

- الدعوات الكهنوتية والرهبانية
وفي هذا الأحد، الذي تسميه الكنيسة أحد الراعي الصالح، نرفع صلاة خاصة من أجل الدعوات الكهنوتية والرهبانية، لأن الرب الذي قال يومًا: «اطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده» ما زال اليوم يبحث عن قلوب سخية تترك كل شيء وتتبع صوته.
فالكنيسة تحتاج إلى رعاة يحملون قلب المسيح: رعاة يعرفون خرافهم، يقتربون من الجريح، يرفعون المتعب، يعزون الحزين، يبشرون بالرجاء، ويشهدون للإنجيل في عالم عطشان إلى الله.
إن الكهنوت ليس وظيفة، بل دعوة حب.
والرهبنة ليست هروبًا من العالم، بل تكريس حياة كاملة لله ومن أجل البشر.
إنها جواب إنسان على صوت قال له الرب: اتبعني.
وفي أرضنا المقدسة، حيث مشى يسوع ودعا الرسل الأوائل، تبقى الحاجة كبيرة إلى دعوات جديدة، أمينة، مقدسة، متجذرة في الإيمان، تحب هذه الأرض وتخدم شعبها وتثبت فيه رجاء الإنجيل.
فلنصلِّ من أجل شبابنا وشاباتنا، لكي لا يخافوا من صوت الرب، ولا يغلقوا قلوبهم أمام دعوته، بل يمتلكوا شجاعة مريم حين قالت: ليكن لي بحسب قولك، وجرأة الرسل حين تركوا الشباك وتبعوه.
ولنصلِّ أيضًا من أجل عائلاتنا، لأن الدعوات لا تولد صدفة، بل غالبًا تولد في بيوت تصلي، وفي أم مؤمنة، وأب أمين، وعائلة تضع الله في مركز حياتها. وفي رعية حية، وفي كنيسة تشجع أبناءها على سماع صوت الرب، فإذا أردنا دعوات مقدسة، فلنسمع بيوتا مقدسة، وعائلات تصلي، وأولادا يحبون يسوع منذ الصغر.
فربما يوجد اليوم بين أولادنا من يسمع في صمت قلبه صوت يسوع يقول له:
تعال واتبعني… كن راعيًا لشعبي… كن نورًا في كنيستي.

خاتمة
أيها الأحباء،
ربما نسأل أحيانًا: أين الله في حياتنا؟
والإنجيل يجيب اليوم: هو أمامك كراعٍ، حولك كحارس، داخلك كصوت، وفوق ضعفك كقيامة.
فلنخفف ضجيج العالم، ونفتح قلوبنا، لكي نسمع صوته من جديد.
صلاة ختامية
يا يسوع الراعي الصالح، أنت تعرف أسماءنا وقلوبنا وجراحنا، ابحث عنا حين نضيع، واحملنا حين نتعب، ونادِنا عندما نظن أننا منسيون.
افتح آذان قلوبنا لنميز صوتك، ولا تسمح أن نتبع أصوات الخوف والضياع.
قدنا من أبواب الظلمة إلى باب النور، ومن الحزن إلى الرجاء، ومن تعب هذا الزمن إلى فرح قيامتك. وأقم في كنيستك رعاةً قديسين، وأرسل دعوات مباركة تخدم شعبك بمحبة وأمانة.
آمين.







