من جرح راهبة في القدس إلى خوف الطيبة: المسيحيون في الأرض المقدسة أمام سؤال البقاء

الكاتب : الأب بشار فواضله – راعي الكنيسة اللاتينية في الطيبة، رام الله

لم يكن لقاء البابا لاون الرابع عشر بالراهبة الفرنسية التي تعرّضت للاعتداء في القدس مجرد لحظة مواساة لإنسانة جُرحت. فالصورة تحمل معنى أعمق، لأنها تعيد إلى الواجهة سؤالًا بات حاضرًا بقوة في الأرض المقدسة: كيف يمكن حماية الإنسان وكرامته وحقه في العيش بأمان، وكيف يمكن الحفاظ على الحضور المسيحي إذا أصبح البقاء نفسه مصدر قلق؟

من جرح راهبة في القدس إلى خوف الطيبة: المسيحيون في الأرض المقدسة أمام سؤال البقاء

الاعتداء على راهبة في القدس لا يجوز اختزاله في مواجهة بين المسيحيين واليهود، ولا تحميله أكثر مما تثبته الوقائع. المسؤولية تقع على المعتدي، وأي اعتداء يجب أن يُدان بوضوح. لكن الحادثة تفتح بابًا للنظر إلى مناخ أوسع من التوتر والعنف والخوف الذي يعيشه كثيرون، ولا سيما الفلسطينيون في الضفة الغربية.

ومن هنا تصبح المسافة بين القدس والطيبة أقصر مما تظهر على الخريطة.

فالطيبة، البلدة الفلسطينية المسيحية بالكامل في الضفة الغربية، تعيش منذ فترة تحت ضغط متزايد. اعتداءات على الأراضي والممتلكات، حرائق، تخريب، تحركات لمستوطنين مسلحين قرب البيوت والأراضي الزراعية، وقيود متزايدة على الحركة والعمل، كلها تركت أثرًا واضحًا في حياة الناس. وفي هذا السياق وصف بطريرك القدس للاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، واقع الضفة الغربية بأنها «أرض بلا قانون»، في تعبير يلخص خطورة غياب الحماية والمساءلة الفاعلة.

ما يحدث في الطيبة لا ينبغي تقديمه باعتباره اعتداءً على المسيحيين لأنهم مسيحيون فحسب. أبناء الطيبة يتعرضون لهذا الواقع لأنهم أيضًا فلسطينيون، شأنهم شأن قرى فلسطينية كثيرة. لكن للطيبة خصوصية إضافية: استمرار الضغط والخوف والهجرة فيها يهدد حضورًا مسيحيًا متجذرًا في هذه الأرض منذ قرون.

وهنا تكمن القضية الحقيقية.

حماية المسيحيين في الأرض المقدسة لا تعني حماية الكنائس والأديرة والحجارة وحدها. حماية المسيحية تبدأ بحماية الإنسان المسيحي وحقه في البقاء على أرضه. فما قيمة الحفاظ على كنيسة تاريخية إذا غادرت العائلات التي تصلي فيها؟ وما معنى الحديث عن أهمية الوجود المسيحي إذا كان الشاب لا يجد عملًا، والمزارع يخشى الوصول إلى أرضه، والعائلة تفكر في الهجرة بحثًا عن الأمان؟

لقاء البابا بالراهبة الفرنسية يحمل، من هذه الزاوية، رسالة إنسانية تتجاوز شخصًا واحدًا. فالكنيسة التي تقترب من جرح إنسان مدعوة أيضًا إلى رؤية الجراح الصامتة للمجتمعات التي تعيش يوميًا تحت الخوف وعدم اليقين.

والطيبة اليوم لا تطلب امتيازًا، ولا حماية على حساب أحد. إنها تطلب أبسط الحقوق: الأمان، وسيادة القانون، وحماية الأرض والإنسان، والقدرة على بناء مستقبل لأبنائها.

من جرح راهبة في القدس إلى خوف عائلة في الطيبة، يبقى السؤال واحدًا: هل ستبقى الأرض المقدسة مكانًا يعيش فيه المسيحيون الفلسطينيون، أم مكانًا تُحفظ فيه كنائسهم بينما يرحل أبناؤها؟

إن مستقبل المسيحية في الأرض المقدسة لن يُقاس بعدد المزارات التي نحافظ عليها، بل بعدد العائلات التي تستطيع أن تقول بثقة: هذه أرضنا، هنا جذورنا، وهنا سنبقى.