الديانة هي القلب القريب من الله - لوقا ٥: ٣٣-٣٩
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس
٣٣فقالوا لَه: «إِنَّ تَلاميذَ يوحنَّا يُكثِرونَ مِنَ الصَّومِ ويُقيمونَ الصَّلٰوات، ومِثلُهُم تَلاميذُ الفِرِّيسيِّين، أَمَّا تَلاميذُكَ فيأكُلونَ ويَشرَبونَ!» ٣٤فقالَ لَهم: «أَبِوُسعِكُم أَن تُصوِّموا أَهلَ العُرسِ والعَريسُ بَينَهم؟ ٣٥ولٰكِن سَتَأتي أَيَّامٌ فيها يُرفَعُ العَريسُ مِن بَينِهم، فعِندَئذٍ يَصومونَ في تِلكَ الأَيَّام. ٣٦ وضَرَبَ لَهم مَثلًا قال: «ما مِن أَحَدٍ يَشُقُّ قِطعَةً مِن ثَوبٍ جَديد، فيَجعَلُها في ثَوبٍ عَتيق، لِئَلَّا يُشَقَّ الجَديد وتَكونَ القِطعَةُ الَّتي أُخِذَت مِنَ الجَديدِ لا تُلائِمُ العَتيق. ٣٧وما مِن أَحَدٍ يَجعَلُ الخَمرَةَ الجَديدةَ في زقاقٍ عَتيقة، لِئَلَّا تَشُقَّ الخَمرَةُ الجَديدَةُ الزِّقاقَ فتُراقَ هي، وتَتْلَفَ الزِّقاق. ٣٨بل يَجِبُ أَن تُجعَلَ الخَمرَةُ الجَديدةُ في زِقاقٍ جَديدة. ٣٩وما مِن أَحَدٍ، إِذا شَرِبَ مُعَتَّقَةً، يَرغَبُ في الجَديدة، لأَنَّه يقول: «المــُعَتَّقَةُ هِيَ الطَيِّبَة".
الحرب. اليوم ٣٣٥
"إِنَّنا مِن أَجلِكَ نُماتُ طَوالَ النَّهار، ونُعَدُّ غَنَمًا لِلذَّبْح. قُمْ أَيُّها السَّيِّد، لِماذا تَنامُ؟ استَيقِظْ ولا تَنْبِذْ على الدَّوام" (مزمور ٤٤: ٢٣-٢٤).
ارحمنا، يا رب. "إِنَّنا نُماتُ طَوالَ النَّهار، ونُعَدُّ غَنَمًا لِلذَّبْح". أربعون ألفًا قُتِلوا حتى الآن في غزة، في هذه الأشهر القليلة، وفي هذه المساحة الصغيرة. مثل هذا التقتيل، رجالًا ونساء وأطفالًا، وأيدي حاملي الموت تقطر دمًا، وهم غير واعين، هذا يعني أن الإنسانية قُتِلَت في حامل الموت نفسه. يا رب، نسي الإنسان أنك خلقْتَه على صورتك. أيقظه، هُزَّه، اجعله يرى كرامته هو نفسه، حتى يعِيَ كرامة أخيه. " قُمْ، يا رب، لِماذا تَنامُ؟ استَيقِظْ ولا تَنْبِذْنا على الدَّوام". ارحمنا، يا رب، ارحمنا. قل كلمة فتتوقف هذه الحرب، ويشفى حاملو الموت ممَّا هم فيه. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم
في إنجيل البوم أيضًا تلاميذ يوحنا يسألون يسوع، لماذا تلاميذك لا يصومون؟
"فقالوا لَه: «إِنَّ تَلاميذَ يوحنَّا يُكثِرونَ مِنَ الصَّومِ ويُقيمونَ الصَّلٰوات، ومِثلُهُم تَلاميذُ الفِرِّيسيِّين، أَمَّا تَلاميذُكَ فيأكُلونَ ويَشرَبونَ!» ٣٤فقالَ لَهم: «أَبِوُسعِكُم أَن تُصوِّموا أَهلَ العُرسِ والعَريسُ بَينَهم؟ ٣٥ولٰكِن سَتَأتي أَيَّامٌ فيها يُرفَعُ العَريسُ مِن بَينِهم، فعِندَئذٍ يَصومونَ في تِلكَ الأَيَّام" (٣٣-٣٥).
لماذا لا يصومون؟ رأوا الديانة في ممارساتها الخارجية، وقد يكون القلب بعيدًا عن الله. الديانة هي القلب القريب من الله، هي الاتحاد بالله، وكل الممارسات الخارجية يجب أن تكون نتيجة تنجم عن حياة الروح.
الطقوس، التلاوات، ليست هدفًا في حد ذاتها. بل هي وسيلة تمكِّنُ المؤمن، إن أحسن استعمالها، من البقاء أمام الله، ليذكر علاقته بالله وأن علاقاته بإخوته وأخواته، أساسها هو العلاقة بالله، أبينا جميعًا.
جوهر الدين هو هذا: حضور أمام الله بالروح والحق. وقد يحدث أن الأعمال الخارجية، حتى الاحتفالات الدينية، تُنسيِنا الله، وهو هدف وجوهر تلك الاحتفالات.
لخَّصَ يسوع كل الديانة في وصية المحبة: محبة الله والقريب. هو نفسه بدأ حياته وكرازته بزمن صوم، ليدُلَّنا على الطريقة التي نقاوم بها المجرِّب والتجارب. لكنه هو لم يأمر بالصيام. إنما أمَرَ فقط بوصية المحبة، محبة الله ومحبة القريب، فقط، وهذه هي العبادة بالروح والحق.
البقاء في الحقيقة، في كل مجالات حياتنا، أعني: كل شيء لمجد الله، وحياتي نفسها، ونضجي ونمُوِّي، وكل ما أحتاج إليه. الحقيقة هي الله، والحياة الوافرة مع الله، وحياة الله فيَّ. وكل الممارسات الخارجية وسيلة للحياة مع الله.
فلا أجعل الممارسات التقوية شيئًا يحل محل الله، محل العبادة بالروح والحق، بل تكُنْ دائمًا وسيلة توصِّل إلى الله.
"وضَرَبَ لَهم مَثلًا قال: «ما مِن أَحَدٍ يَشُقُّ قِطعَةً مِن ثَوبٍ جَديد، فيَجعَلُها في ثَوبٍ عَتيق، لِئَلَّا يُشَقَّ الجَديد وتَكونَ القِطعَةُ الَّتي أُخِذَت مِنَ الجَديدِ لا تُلائِمُ العَتيق. ٣٧وما مِن أَحَدٍ يَجعَلُ الخَمرَةَ الجَديدةَ في زقاقٍ عَتيقة، لِئَلَّا تَشُقَّ الخَمرَةُ الجَديدَةُ الزِّقاقَ فتُراقَ هي، وتَتْلَفَ الزِّقاق. ٣٨بل يَجِبُ أَن تُجعَلَ الخَمرَةُ الجَديدةُ في زِقاقٍ جَديدة" (٣٦-٣٨).
جاء يسوع يعلِّم الحقيقة كلها، عن الآب وعن نفسه، واحدًا مع الآب والروح القدس. حياة جديدة، ورؤية جديدة، ومقدرة جديدة في الإنسان، أن يحيا مع الله. هذا جديد. ولا يحتاج يسوع لتعليمه الجديد إلى الشريعة القديمة.
والجديد في تعليم يسوع هو حب الله لنا، ومحبتنا له، ومقدرتنا على أن نحِبّ كما أن الله يحِبّ.
وكل عمل خارجي، أو عبادة خارجية، ليست هدفًا لذاتها، بل هي نُسكٌ وزُهدٌ ليُدَرِّبَ المؤمن نفسه على السيطرة على نفسه، وليطهِّر نفسه، ويصير قادرًا على قبول عطية الله: أن يحِبّ كما أن الله يحِبّ.
ومن ثم، الحكم على كل شيء بمقياس الحب. ولا يُحكَمْ على مؤمن بحسب صياماته وعباداته الخارجية، بل بحسب حقيقة علاقته بالله، التي تظهر في محبة القريب. المحبة تأمر كل الأعمال الخارجية، الصيام، والطقوس، والليتورجيا. المحبة هي التعبير الأصح عن العبادة بالروح والحق.
ربي يسوع المسيح، جئت لتعلِّمنا تعليمًا جديدًا، لا ممارسات خارجية، بل حياة مع الله. والوسيلة والقياس والدليل هو محبة إخوتي وأخواتي. ربي يسوع المسيح، أعطني أن أثبت في محبة إخوتي وأخواتي، ولتكن محبتي لإخوتي هي الثمرة والدليل لمحبتي لك. آمين.
الجمعة ٦/٩/ ٢٠٢٤ بعد الأحد ٢٢ من السنة/ب






