تُعانونَ الشِّدَّةَ في العالَم، ولٰكِن ثِقوا، إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم - يوحنا ١٦: ٢٩-٣٣
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، البطريرك الأسبق للّاتين في القدس
٢٩فقالَ تَلاميذُه: «ها إِنَّكَ تَتَكَلَّمُ الآنَ كَلامًا صَريحًا ولا تَضرِبُ مَثَلًا. ٣٠الآنَ عَرَفْنا أَنَّكَ تَعلَمُ كُلَّ شَيء، لا تَحتاجُ إِلى مَن يَسأَلُكَ. فلِذٰلكَ نُؤمِنُ بِأَنَّكَ خَرَجتَ مِنَ الله. ٣١أَجابَهم يسوع: الآنَ تُؤمِنون؟ ٣٢ها هي ذي ساعَةٌ آتية، بل قد أَتَت، فيها تَتفرَّقون فيَذهَبُ كُلُّ واحِدٍ في سَبيلِه وتَترُكوني وَحْدي. ولَستُ وَحْدي، فإِنَّ الآبَ مَعي. ٣٣قُلتُ لَكم هٰذهِ الأَشياء لِيَكونَ لَكُم بِيَ السَّلام. تُعانونَ الشِّدَّةَ في العالَم، ولٰكِن ثِقوا، إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم.
الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران.
"مِن أَقاصي الأَرضِ أَدعوكَ، إِذا خارَ فُؤادي، فاهدِني إِلى الصَّخرَةِ الَّتي فَوقَ مُتَناوَلي" (مزمور ٦١: ٣). ارحمنا، يا رب. من أقاصي الأرض، من بعيد... كل الحياة على الأرض صارت أرضًا بعيدة... السلام المحبة الإنسان الحي بإنسانية، كل هذا صار أرضًا بعيدة. الحرب قريبة، والموت قريب. والضغينة في القلوب قريبة والدمار. أرسل يا رب روحك، أرِنا وجهك، أظهر حبك للغارقين في الموت. نجِّنا، يا رب. أنت القدير. اغفر، يا رب. استجب، يا رب. وأعطنا سلامك الذي لا يعرفه العالم. ارحمنا يا رب.

إنجيل اليوم
"٢٩فقالَ تَلاميذُه: «ها إِنَّكَ تَتَكَلَّمُ الآنَ كَلامًا صَريحًا ولا تَضرِبُ مَثَلًا. ٣٠الآنَ عَرَفْنا أَنَّكَ تَعلَمُ كُلَّ شَيء، لا تَحتاجُ إِلى مَن يَسأَلُكَ. فلِذٰلكَ نُؤمِنُ بِأَنَّكَ خَرَجتَ مِنَ الله" (٢٩-٣٠).
ساعات قليلة قبل الموت، بدأ التلاميذ يرون. بدأوا يفهمون ما يقوله يسوع. وهو يكلمهم صراحه من دون أمثال. أعلَنوا إيمانهم بيسوع ابن الله. انفتحت قلوبهم وأخذوا يرون. قالوا: إنا نؤمن أنك خرجت من عند الله.
نحن أيضًا تأتينا لحظات نور. فنعلن إيماننا. لكنا ننسى أننا ما زلنا في حالة ضعفنا. وأنَّ خطيئة العالم ما زالت فينا. الحرب تؤثر فينا وتدفعنا إلى معركة الموت، فنريد أن ننتقم من شر الناس، من صانعي الخروب. ونغرق فيها، بدل أن نكون في ملء النور.
نبَّه يسوع مسبقًا التلاميذ، قال لهم: "٣١أَجابَهم يسوع: الآنَ تُؤمِنون؟ ٣٢ها هي ذي ساعَةٌ آتية، بل قد أَتَت، فيها ولَستُ وَحْدي، فإِنَّ الآبَ مَعي" (٣١-٣٢). في لحظة اندفاع بشري، نظن أننا نؤمن. لكن الواقع أن ليس الروح الذي يدفعنا. "ستَتفرَّقون فيَذهَبُ كُلُّ واحِدٍ في سَبيلِه وتَترُكوني وَحْدي". زمن الحقيقة هو أحيانًا زمن ضعفنا. لكن يليه وقت التبدُّل، وقت مجيء الروح والحقيقة التي يعلِّمنا إياها.
ستأتي ساعة تتركوني فيها وحدي. لكني لست وحدي، لأن الآب معي. أن نكون نحن وحدنا هذا أمر عادي في حياتنا، أن نكون وحدنا، تهيمن علينا خطيئة العالم، أو أشواق ومشاغل كثيرة من العالم... لكن، كما أن يسوع ليس وحده، سيعطينا ألا نبقى وحدنا نحن أيضًا. سيرسل إلينا الروح القدس. معه سنعرف حقيقة الأرض. نعرف أن الناس، وكل شيء يمر، وخطيئة الناس تمر، وكبرياءهم، وظلمهم، وحروبهم.
الآب معي. الحياة مع يسوع هي الحياة مع الآب، هي قبول الروح، والنور، هي عدم البقاء في عمانا وفي جهل الأرض. الحياة هي معرفة الحقيقة كما يعلِّمنا إياها الروح. هي رؤية الله وسماع الله يقول: سلام ومغفرة وحياة أبدية.
في واقع الأرض أمران: الإنسان المبتعد عن الله، والإنسان الباحث عن سلام الله. قال يسوع لتلاميذه: " تُعانونَ الشِّدَّةَ في العالَم، ولٰكِن ثِقوا، إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم." نحن أيضًا نغلب العالم مع يسوع. يجب أن نجاهد، الجهاد الذي يؤدي إلى الانتصار.
"قُلتُ لَكم هٰذهِ الأَشياء لِيَكونَ لَكُم بِيَ السَّلام. تُعانونَ الشِّدَّةَ في العالَم، ولٰكِن ثِقوا، إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم" (٣٣).
حياتنا معركة، ستبقى الأرض ما يصنعها الناس. الناس وحدهم المنفصلون عن الله، أو الناس الذين يحييهم الروح ويملؤهم بنوره. الحياة جهد مستمر، تحت نظر الله المحِبّ الساهر، وفينا ثقة دائمًا أننا سنغلب الخطيئة.
ربي يسوع المسيح كن سندي في جهادي، في اللحظات التي أشعر فيها أني وحدي. أعطني أن أبقى معك، حيًّا معك، بملء الحياة، وفيَّ شوق واحد: إليك والحياة معك، لأشفع بالبشرية لترى الحقيقة. آمين.
الاثنين ١٨/٥/٢٠٢٦ بعد الأحد السابع للفصح







