الباب الضيِّق باب الحياة - متى ٧: ١٣-٢٠

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا

الحياة ليست بما يظهر منها. الحياة ما يحدث في قلب الإنسان، أمام نفسه وأمام ربه. في النفس، يكون إما فرح الحياة الحقيقي، أمام الله، أو الامتلاء بحزن وفراغ جارح خفِيّ لا يعلمه إلا الله.

الباب الضيِّق باب الحياة - متى ٧: ١٣-٢٠

 

١٣ادخلوا من الباب الضيق. فإن الباب رحب والطريق المؤدي إلى الهلاك واسع، والذين يسلكونه كثيرون. 

١٤. ما أضيق الباب وأحرج الطريق المؤدي إلى الحياة، والذين يهتدون إليه قليلون. 

١٥.إياكم والأنبياء الكذابين، فإنهم يأتونكم في لباس الخراف، وهم في باطنهم ذئاب خاطفة. 

١٦. من ثمارهم تعرفونهم. أيجنى من الشوك عنب أو من العليق تين؟ 

١٧. كذلك كل شجرة طيبة تثمر ثمارا طيبة، والشجرة الخبيثة تثمر ثمارا خبيثة. 

١٨. فليس للشجرة الطيبة أن تثمر ثمارا خبيثة، ولا للشجرة الخبيثة أن تثمر ثمارا طيبة. 

١٩. وكل شجرة لا تثمر ثمرا طيبا تقطع وتلقى في النار. 

٢٠. فمن ثمارهم تعرفونهم. 

 

"ادخُلُوا مِنَ البَابِ الضَّيِّقِ. فَإنَّ البَابَ رَحْبٌ وَالطَّرِيقَ المـُؤَدِّيَ إلَى الهَلَاكِ وَاسِعٌ، وَالَّذِينَ يَسلُكُونَهُ كَثِيرُونَ" (١٣). 

الباب الضيِّق باب الحياة. حياة الأرض، لبناء الأرض، التي لا تُبنَى إلا بالجهود. والحياة الأبدية، بعد الأرض، بلوغها أيضًا يطلب الجهاد. قال يسوع: "مَلَكُوتُ السَّمَوَاتِ يُؤخَذُ بِالجِهَادِ، وَالمُجَاهِدُونَ يَختَطِفُونَهُ" (متى ١١: ١٢). الحياة للأقوياء الصالحين. قد يبدو لنا مرارًا أنها للأقوياء الظالمين، المتجبرين، لكنها للصالحين. قال يسوع أيضًا: "طوبى للودعاء هم الذين يرثون الأرض".  وسفر المزامير مليء أيضا بهذا الواقع المناقض لنظام الروح: الأشرار يعيشون، والأبرار يفتقرون.

        الحياة ليست بما يظهر منها. الحياة ما يحدث في قلب الإنسان، أمام نفسه وأمام ربه. في النفس، يكون إما فرح الحياة الحقيقي، أمام الله، أو الامتلاء بحزن وفراغ جارح خفِيّ لا يعلمه إلا الله.

        الحياة هي التي يعيشها الإنسان بينه وبين نفسه، وليست الواجهة التي بها يظهر للناس، أو يصنعها الناس له. الحياة يصنعها الله للإنسان، هبة من الله للإنسان المجتهد الساعي للمرور من الباب الضيق، الذي يبذل كل الجهود اللازمة لكسب وسائل الحياة، بالرغم من كل الصعاب المتراكمة على طريقه، وهو يعرف أن الحياة سير إلى الله، ومعه، في اليسر والعسر، في الفقر والغنى، وفي مقاومة كل شر، أيا كان، الشر الذي يفترس صاحبه، أو الشر الذي يعتدي على القريب.

        الباب الضيق باب السلام، والطريق الرحب طريق الحرب. الباب الضيق رؤية الله في كل خلق الله، ورؤية أنَّ الجميع إخوة، والباب الواسع رؤية الذات فقط، الذات الفردية أو الجماعية، والتضحية بالآخر أفرادًا أو شعوبًا.

        الحياة الحقيقية، وفرح الحياة، هي الحياة التي تحمل كل الأثقال والصلبان، وهي ناظرة إلى الله، وفي رؤية الله ترى في كل الناس إخوة، وفي الله تجد فرح الحياة.

        ادخلوا من الباب الضيق. هو باب الحياة. باب اللقاء مع الله، ومع الإخوة. هو باب بناء الأرض. باب آلام ومشقات، لكنه باب الحياة، والمؤدي إلى الله وإلى الإخوة.

"وإيَّاكُم مِن الأنبِيَاءِ الكَذَّابِينَ" (١٥)، الذين يقولون لكم العكس. الذين يقولون: اسلكوا الطرق السهلة، وافراح الأرض التي لا إله فيها، وظلمُ الأخ فيها، وشرور أخرى، وغياب وجه الله. "مِن ثِمَارِهِم تَعرِفُونَهُم"، من مرارة الشر في نفوسكم أو من مرارة ظلمكم لإخوتكم، تعرفون أمام أي باب تقفون، باب الحياة، أم باب الموت. لأن أحياء كثيرين قد يكونون أمواتًا وهم لا يعرفون. الحياة حياة مع الله ومع الإخوة. الحياة الحقيقية صلاح في النفس وراحة في النفس، وحياة مع الإخوة ومن اجلهم.

ادخلوا من الباب الضيق. "مَلَكُوتُ السَّمَوَاتِ يُؤخَذُ بِالجِهَادِ، وَالمُجَاهِدُونَ يَختَطِفُونَهُ" (متى ١١: ١٢). اطلبوا الحياة، مع إخوتكم، ومن أجلهم. فيهم تجدون الله وتجدون فرح الأرض ولو في الضيق، وفرح الأبدية.

ربي يسوع المسيح، أعطني القوة لأن أجتهد وأمُرَّ بالباب الضيق، لأبقى ناظرًا إليك، وناظرًا محبًّا إلى كل إخوتي. آمين.

الجمعة ١٣/١/٢٠٢٣