محبة العدو في الحرب - مرقس ١٢: ١٣-١٧
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا
"وَأَرسَلُوا إلَيهِ أُنَاسًا مِنَ الفِرِّيسِيِّينَ وَالهِيرُودُسِيِّينَ لِيَصطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ" (١٣). "أيَحِلُّ دَفعُ الجِزيَةِ إلَى قَيصَرَ أَم لَا؟ أَنَدفَعُهَا أَم لَا نَدفَعُهَا؟" (١٤)
١٣. وأرسلوا إليه أناسًا من الفرِّيسيِّين والهيرودُسِيِّين ليصطادوه بكلمة.
١٤. فأتوه وقالوا له: يا معلم، نحن نعلم أنك صادق لا تبالي بأحد، لأنك لا تراعي مقام الناس، بل تُعَلِّمُ سبيل الله بالحق. أيحِلُّ دفع الجزية إلى قيصر أم لا؟ أنَدفَعُها أم لا نَدفَعُها؟
١٥. ففطن لريائهم فقال لهم: لماذا تحاولون إحراجي؟ هاتوا دينارًا لأراه.
١٦. فأتَوْه به. فقال لهم: لِمَن الصورة هذه والكتابة؟ قالوا: لقيصر.
١٧. فقال لهم: أَدُّوا لقيصر ما لقيصر، ولله ما لله. فعجبوا له أشدَّ العجَب.
"وَأَرسَلُوا إلَيهِ أُنَاسًا مِنَ الفِرِّيسِيِّينَ وَالهِيرُودُسِيِّينَ لِيَصطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ" (١٣). "لِيَصطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ". ادَّعَوْا أنهم يطلبون الحقيقة. لكن، بدل طلب الحقيقة، يريدون أن يصطادوا يسوع بكلمة. ومثلهم كل الذين ينصبون الشراك لمن يعلِّمون، أو لمن يؤمنون. ليس هكذا يكون طلب الحقيقة. هذا نوع من الصعاب التي يلقاها المؤمنون، بل هو الاضطهاد للذين يسيرون في طرق الله، والذي قال فيه يسوع: طوبى لكم إذا اضطهدوكم من أجلي.
نصب الشراك للغير، طلب السوء للآخرين، هذا نوع من العلاقة التي يمكن أن توجد في قلوب لكثيرين تجاه بعض إخوتهم. لننظر في قلوبنا هل توجد مثل هذه العلاقة، تجاه أحد إخوتنا، هل نريد السوء لأحد؟ فإن وُجِدَتْ يجب أن ننَقِّيَ أنفسنا، لنكون إخوة صادقين لكل إخوتنا.
. "أيَحِلُّ دَفعُ الجِزيَةِ إلَى قَيصَرَ أَم لَا؟ أَنَدفَعُهَا أَم لَا نَدفَعُهَا؟" (١٤)، للمحتل الروماني، العدو؟ يسوع وضع الأمور في محلها، قال: "أَدُّوا لِقَيصَرَ مَا لِقَيصَرَ، وَلله مَا لله". بدل الخدمات التي تقبلونها من المحتلّ، ادفعوا له الضريبة التي يطلبها. ما تقبلونه منه وهو عدُوّ، رُدُّوه إليه.
لم يدخل يسوع في تفاصيل العلاقة بين المحتل والواقع تحت الاحتلال. لكنه قال من قبل: ليكن حبُّكم أكثر من عامة الناس. قِيلَ لكم: أحِبُّوا الذين يحِبُّونكم، أما أنا فأقول لكم: أحِبُّوا الذين لا يحِبُّونكم. أحِبُّوا أعداءكم. حتى في زمن الحرب؟
محبة العدو في الحرب تقوم أوَّلًا بعدم تجريده من إنسانيته، ومن الكرامة التي منحه إياها الله، ابونا جميعًا، منحها له ولنا ولجميع الناس. ثانيا، العدو في الحرب، الذي يحتل بلد شعب آخر، فإنه يضع نفسه في وضع خطأ، إذ يلحق ضررًا بغيره ويسلب أخاه ما هو له. محبة العدو في الحرب، أو في حالة احتلال، تقوم بشفاء العدو المحتل من الشر الذي فيه، والذي هو الضرر الذي يُلحِقُه بي أو بغيري. ندخل الحرب مُجبَرِين، ومع ذلك يجب ألا نفقد فيها إنسانيتنا، ولا إنسانية الآخر العدُوّ. في الحرب التي تدمِّر، المؤمن بالله، وبالإنسانية، يحاول أن يُبقِيَ الإنسانية فيه وفي عدُوِّه، وشيئًا من المحبة، ومن الحقيقة. الأمر صعب. ليس في مقدور إنسان. لكن هذا أقل ما يمكن أن يصنعه إنسان يؤمن بالإنسان، ويؤمن بالله. ومع ذلك، فأن يحمل الجندي بندقيته، ويقال له: اقتُل عدُوَّك، وأن يبقى إنسانًا، هذا شيء صعب.
نحن المؤمنين، الذين عرفنا التطويبات، والوصية الجديدة، محبة الأعداء، علينا أن نعرف كيف نهتدي في ظروف الحرب أو ظروف احتلال عسكري، مثل حالنا، ونبقى حاملين فيه نور الروح.
جواب يسوع: "أدُّوا لِقَيصَر مَا لِقَيصر، ولله ما لله". فصل يسوع بين السلطات الدينية والمدنية. السلطة السياسية لها حقوق وعليها واجبات، والمواطن له حقوق، وله أيضًا واجبات تجاهها. ومهما كانت السلطة السياسية، عادلة أو ظالمة، السلطة العليا هي لله، الذي منحنا كل شيء، ويبقى المخدوم الأول وهو المطاع. لا يمكن أن يوجد أي مبرر لعصيان الله سبحانه، أما السلطة الزمنية الظالمة، فقد تضع نفسها في ظروف حيث يجب على الإنسان أن يقاومها، ويسعى لتبديل الظلم بالعدل.
ربي يسوع المسيح، وصيتك واضحة. لكنها صعبة. أعطنا النور والقوة، لنعيش بموجبها في ظروف الاحتلال التي نحن فيها. آمين
الثلاثاء ٦/٦/٢٠٢٣ الأسبوع ٩ من السنة/أ






