احفظوا قلبكم نقيًّا، قادرًا على رؤية الله - لوقا ٢١: ٣٤-٣٦

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا

"فَاحذَرُوا أَن يُثقِلَ قُلُوبَكُم السُّكرُ وَالقُصُوفُ وَهُمُومُ الحَيَاةِ الدُّنيَا، فَيُبَاغِتَكُم ذَلِكَ اليَومُ كَأَنَّهُ الفَخُّ، لِأَنَّهُ يُطبِقُ عَلَى جَمِيعِ مَن يَسكُنُونَ وَجهَ الأَرضِ كُلِّهَا" (٣٤-٣٥). "فَاسهَرُوا مُوَاظِبِينَ عَلَى الصَّلَاةِ، لِكَي تُوجَدُوا أَهلًا لِلنَّجَاةِ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي سَتَحدُثُ، وَلِلثَّبَاتِ لَدَى ابنِ الإنسَانِ" (٣٦).

احفظوا قلبكم نقيًّا، قادرًا على رؤية الله - لوقا ٢١: ٣٤-٣٦

 

 ٣٤. فاحذروا أن يثقل قلوبكم السكر والقصوف وهموم الحياة الدنيا، فيباغتكم ذلك اليوم 

٣٥. كأنه الفخ، لأنه يطبق على جميع من يسكنون وجه الأرض كلها. 

٣٦. فاسهروا مواظبين على الصلاة، لكي توجدوا أهلا للنجاة من جميع هذه الأمور التي ستحدث، وللثبات لدى ابن الإنسان. 

 

        الحرب. اليوم ٥٦.

        "لِيُعطِكُم السَّلَامَ رَبُّ السَّلَامِ نَفسُهُ فِي كُلِّ حِينٍ وَفِي كُلِّ حاَلٍ! لِيَكُنْ الرَّبُّ مَعَكُم أَجمَعِينَ! (٢تسالونيقي ٣: ١٦).

        يا رب، إنا نسألك السلام، سلامًا نهائيًّا كاملًا. ارحم أبناءك، الفلسطينيين والإسرائيليين. كلهم يطلبون السلام. لكن الأقوياء يرون السلام لأنفسهم بالحرب على غيرهم. يا رب، ضع الحقَّ في قلوب الجميع. علِّمنا كيف نصنع السلام، كيف نعيش السلام، كيف نستقبل سلامك، السلام الذي لا يقدر زعماء الحرب أن يصنعوه. يا رب، ارحمنا. يا رب السلام، امنحنا السلام، وامكث معنا، لأن النهار قد مال، والحرب ثقلت والقلوب قست. كلنا بحاجة إلى رحمتك.

 

        إنجيل اليوم.

        في إنجيل اليوم ما زلنا في الرؤية نفسها: الأزمنة الأخيرة والدينونة العامة، والأزمنة الجديدة بعد موت يسوع وقيامته. حتى نعرف أن نستقبل كلا الزمنين، زمن الدينونة وزمن الفداء، يجب أن نسهر، يجب ألا نقع في ترهات وآثام تُفقِدُنا رشدنا.

         "فَاحذَرُوا أَن يُثقِلَ قُلُوبَكُم السُّكرُ وَالقُصُوفُ وَهُمُومُ الحَيَاةِ الدُّنيَا، فَيُبَاغِتَكُم ذَلِكَ اليَومُ كَأَنَّهُ الفَخُّ، لِأَنَّهُ يُطبِقُ عَلَى جَمِيعِ مَن يَسكُنُونَ وَجهَ الأَرضِ كُلِّهَا" (٣٤-٣٥). 

        احفظوا قلبكم نقيًّا، قادرًا على رؤية الله، وأزمنة الله، قادرًا على أن يحضر يوم الدين الذي "سيُبَاغِتُكُم ...كَأَنَّهُ الفَخُّ، لِأَنَّهُ يُطبِقُ عَلَى جَمِيعِ مَن يَسكُنُونَ وَجهَ الأَرضِ كُلِّهَا". كونوا مستعدين لتؤدوا الحساب عن حياتكم، أفكاركم، وأعمالكم وأقوالكم، وعواطفكم الحميمة. لتؤدوا الحساب عن الخير والشر، وعن الإهمال، واللامبالاة، وعن الغرور والكبرياء. الأرض لن تكون، لن تكون فينا ولا لنا. الأرض وكل ما فيها، علاقات وصداقات، وعداوات، وأموال، ويُسرٌ وعسر. الزمن ينتهي. والأبدية تبتدئ، إما مع الله والحياة تصير في ملئها، فائضة، وفيها رؤية الله، والسعادة اللامتناهية، وإما أبدية من دون الله، بحسب ما نكون هيأنا لأنفسنا على الأرض. من دون الله، هذه هي جهنم، والعذاب الأبدي.

        "فَيُبَاغِتُكُم ذَلِكَ اليَومُ كَأَنَّهُ الفَخُّ، لِأَنَّهُ يُطبِقُ عَلَى جَمِيعِ مَن يَسكُنُونَ وَجهَ الأَرضِ كُلِّهَا".

        الزمن الجديد أيضًا، زمن الفداء، يأتي فجأة، ويباغت لامبالاة الناس، وجهلهم، وخبثهم، وكبرياءهم. المسيح ابن الله، مصلوب أمامهم. لكنهم لم يروه. ولم يعرفوه. مريم أُمُّه كانت ترى وتعرف، ومعها النساء التقيات، ويوحنا التلميذ الحبيب. وقائد المئة الذي نال النعمة ليرى ويقول: حقًّا هذا هو ابن الله. أما الباقون فكانوا ينظرون ويستخِفُّون. كان يومُ موتِ ابن الله مثلَ مباغتة لم تقدر البشرية أن تتنبَّه لها بين الكبرياء والغرور وعجز الكبار عن الرؤية. لم يروا.

        يسوع ابن الله، مات على الصليب من أجلنا. على الجلجلة في القدس. واليوم أيضا، كل يوم على مذابحنا، في كنائسنا الرعوية، وفي كنائس أديرتنا. وهل نحن أيضًا ساهرون واعون؟ هل نرى ابن الله؟ أم نحن ضائعون في ألف شيء وشيء من هذه الأرض؟  أحتفل بالقداس أو أحضره، هل أنا حينذاك على الجلجلة مع مريم التي كانت ترى وتعلم، أم مع المارة ومع كبرياء الزعماء، أو مع اللامبالين، أم صرنا معتادين فلا نرى، وصرنا عاجزين عن أن نرى؟

        فَيُبَاغِتُكُم ذَلِكَ اليَومُ كَأَنَّهُ الفَخُّ".

        "فَاسهَرُوا مُوَاظِبِينَ عَلَى الصَّلَاةِ، لِكَي تُوجَدُوا أَهلًا لِلنَّجَاةِ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي سَتَحدُثُ، وَلِلثَّبَاتِ لَدَى ابنِ الإنسَانِ" (٣٦). 

        اسهروا، ظلوا واعين، قادرين على رؤية ما يصنع الله لكم، ما يعطيكم، حتى لا تباغتكم نعمته فلا تروها. يمــُــرُّ ويأتي ويموت على المذبح كما على الجلجلة في الزمن الماضي... ظلوا قادرين على الرؤية. لا تتيهوا في النسيان في شؤون الأرض.

        ربي يسوع المسيح، أعطنا النعمة لأن نرى، دائمًا. أعطنا ألا نضيع في شرورنا، وخاصة في غرورنا وكبريائنا، ولا في اللامبالاة. أعطنا أن نبقى واعين للسر الكبير، سر الإنسان الجديد بموتك وقيامتك. آمين.

السبت ٢/١٢/ ٢٠٢٣                      بعد الأحد ٣٤ من السنة/أ