الأسبوع الثالث للمجيء/أ - متى ٥: ١٧-٢٠
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا
ويسوع يقول لنا: "إِذَا كُنْتَ تُقَرِّبُ قُربَانَكَ إلَى المـَذبَحِ وَذَكَرْتَ هُنَاكَ أنَّ لِأَخِيكَ عَلَيكَ شَيئًا، فَدَعْ قُربَانَكَ هُنَاكَ عِندَ المـَذبَحِ، وَاذهَبْ أَوَّلًا فَصَالِحْ أَخَاكَ، ثُمَّ عُدْ فَقَرِّبْ قُربَانَكَ " (٢٣-٢٤).
١٧. لا تظنوا أني جئت لأبطل الشريعة أو الأنبياء ما جئت لأبطل، بل لأكمل.
١٨. الحق أقول لكم: لن يزول حرف أو نقطة من الشريعة حتى يتم كل شيء، أو تزول السماء والأرض.
١٩. فمن خالف وصية من أصغر تلك الوصايا وعلم الناس أن يفعلوا مثله، عد الصغير في ملكوت السموات. وأما الذي يعمل بها ويعلمها فذاك يعد كبيرا في ملكوت السموات.
٢٠. فإني أقول لكم: إن لم يزد بركم على بر الكتبة والفريسيين، لا تدخلوا ملكوت السموات.
"لَا تَظِنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأُبطِلَ الشَّرِيعَةَ أَو الأَنبِيَاءَ، مَا جِئْتُ لِأُبطِلَ، بَل لِأُكمِلَ" (١٧).
لم يأت يسوع ليبطل ما سبق. شريعة موسى. فهي من وحي الله. لا يبطل يسوع وحي الله، بل يثبِّتُه ويجدِّده، ويكمِّله. ما راكَمَ الناس على وحي الله، بأحكام بشرية من عندهم، هذا بحاجة إلى إصلاح وإكمال، ولا سيما الروح التي يتم التعامل بها مع شؤون الله، جاء يسوع ليطهِّرها، ويكمِّلها.
"إنْ لَم يَزِدْ بِرُّكُم عَلَى بِرِّ الكَتَبَةِ وَالفِرِّيسِيِّينَ، لَا تَدخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ"(٢٠). بِرُّ الكتبة والفريسيين الذي يجب أن يُنَقَّى ويُكَمَّل، هو ما قاله يسوع لهم مرارًا: بِرُّهم للظهور أمام الناس، يسخِّرون شريعة الله لمجد أنفسهم، بدل مجد الله. ثم برُّهم الذي يحتقر باقي الناس ولا يرحم الخطأة، كما كانت نظرة الفريسيين إلى العشارين وجباة الضرائب، وخطأة كثيرين ذكرهم الإنجيل. وبِرُّهم الذي يجب أن يصحَّح ويُنَقَّى، هو أن شريعة الله هي لخير الإنسان ولخدمة حياة الإنسان، لا لظلمه، فيوم السبت يجوز شفاء إنسان مريض.
وأخيرًا عدَّد يسوع الوصايا، ليُصلِحَها يكَمِّلها: قيل لكن، أما أنا فأقول لكم.
أولا لنفكر في أنفسنا كيف نعيش إيماننا وأعمال الإيمان الخارجية. أعمال عبادتنا، صلواتنا، صياماتنا، هي لمجد الله. هي لحظات حضور أمام الله، للحديث مع الله، للاعتراف بضعفنا وخطايانا أمام الله، وأمام الكاهن خادم الله. هل صلواتنا العادية، إقامة القداس أو المشاركة فيه، هي فعلا حضور أمام الله، أم صارت عادة نكررها، ولا روح فيها؟ وكذلك صلاة الفرض أو صلاة الساعات. وكذلك كل الأعمال التقوية التي نقوم بها. وأعيادنا الدينية، وعيد الميلاد. هل هي لحظات حضور أمام الله، تجدِّد كل كياننا، تزيدنا نورًا ومحبة لله ولإخوتنا، أم صارت عادة، مواسم، أزمنة تمر مثل غيرها، أفرغناها نحن من نعمة الله؟ عوائدنا الدينية، هل هي عبادة بالروح والحق، أم هي عادة وكفى؟
إن لم يزد بركم على العادة، وعلى حب الظهور أمام الناس، وإن لم ينجم من عبادتكم مزيد من الحضور أمام الله، ومزيد من المعرفة الصادقة لأنفسكم بما فيها من خطايا، ومزيد من المحبة لكل إخوتكم، والأقربين منهم، الذين نظلمهم أحيانًا، نهملهم، أو نحرمهم نصيبهم من الميراث، ونذهب بقلوب مطمئنة، مرائية، منافقة، نصلي صلواتنا. يقول الله لنا، ويسوع يقول لنا: "إِذَا كُنْتَ تُقَرِّبُ قُربَانَكَ إلَى المـَذبَحِ وَذَكَرْتَ هُنَاكَ أنَّ لِأَخِيكَ عَلَيكَ شَيئًا، فَدَعْ قُربَانَكَ هُنَاكَ عِندَ المـَذبَحِ، وَاذهَبْ أَوَّلًا فَصَالِحْ أَخَاكَ، ثُمَّ عُدْ فَقَرِّبْ قُربَانَكَ " (٢٣-٢٤).
لنطبِّق هذا الكلام على أنفسنا، وفي ضوئه لنفكِّر في تعاملنا مع أقرب الناس إلينا، ومع كل الناس. لا يمكن أن نعبد الله ونسيء إلى أي أخ من إخوتنا. بل كل صلواتنا مرفوضة، وغير مرضية، إن لم نحبِبْ قريبنا.
ربي يسوع المسيح، جئت لتثبت شريعة الله في نفوسنا، وأول الشريعة وروحها محبة إخوتنا. أعطنا القوة لننَقِّيَ كل صلواتنا ونجعلها طريقًا إلى الله، وإلى محبة كل إخوتنا. آمين.
الأربعاء ١٤/١٢/٢٠٢





