في أماكننا المقدسة، نقوِّيَ إيماننا - مرقس ١١: ٢٧-٣٣

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا

في أماكننا المقدسة، نقوِّيَ إيماننا. لنُكثِرْ من زياراتنا لأماكننا المقدسة، ولا سيما عندما تكون في قريتنا وفي مدينتنا، حتى نتمَلَّى ونتشبَّع بالسر الذي فيها، لأن نفوسنا بحاجة إليه، وكل أرضنا، وكل سكَّان أرضنا، في الحاجة نفسها إلى سر الله.

في أماكننا المقدسة، نقوِّيَ إيماننا - مرقس ١١: ٢٧-٣٣

 

٢٧. وعادوا إلى أورشليم. وبينما هو يتمشى في الهيكل، جاء إليه عظماء الكهنة والكتبة والشيوخ 

٢٨. فقالوا له: بأيِّ سلطان تعمل هذه الأعمال، بل من أولاك ذاك السلطان لتعمل هذه الأعمال؟

٢٩. فقال لهم يسوع: أسألكم سؤالًا واحدًا فأجيبوني، ثم أقول لكم بأيِّ سلطان أعمل هذه الأعمال. 

٣٠. أمِنَ السماء جاءَتْ معمودية يوحنا أم من الناس؟ أجيبوني. 

٣١. فتباحثوا قائلين: إن قُلْنا: من السماء، يقول: فلماذا لم تؤمنوا به؟ 

٣٢. أفنقول من الناس؟ وكانوا يخافون الجمع، لأنّ الناس كلَّهم كانوا يَعُدُّون يوحنا نبيًّا حقًّا. 

٣٣. فأجابوا يسوع: لا ندري. فقال لهم يسوع: وأنا لا أقول لكم بأي سلطان أعمل هذه الأعمال.

 

"وَعَادُوا إلَى أُورَشَلِيم... إلَى الهَيكَلِ" (٢٨).

نتأمل اليوم في أن يسوع المسيح كان يتردَّد مع تلاميذه إلى الهيكل في القدس، ليصلِّي، وليعلِّم. في بيت الله، الإنسان يصلِّي، ويسجد، ويَمثُلُ في حضرة الله، ويُصغِي إلى كلام الله. ويتعلَّم. يتعلَّم كيف يؤمن، وكيف يعيش كمؤمن، وكيف يجعل كل حياته، في كل مجال، فعل إيمان. حينئذٍ يصير إيماننا مثل الإيمان الذي تكلَّمَ عليه يسوع وقال إنه ينقل الجبال، أي يغيِّر الأحوال، ويُسهِم، مع كل الناس، في بناء البشرية، مهما كان عددُنا. لأن الإيمان مع الله هو الأهم، وليس العدد. رجل واحد مؤمن أو امرأة واحدة مؤمنة ممتلئة بروح الله، يمكن أن تعمل أكثر من "جيش مصطَفٍّ للقتال"، لأن الله هو الذي يعمل، لا نحن، وروح الله يتكلَّم فينا ويرشدنا.

        الهيكل بالنسبة لنا هو اليوم كنيسة رعيتنا، كبيرة أو صغيرة، فيها نلتقي مع الله، ومع كل جماعة المؤمنين، لنكون صلاة واحدة، وشفاعة واحدة للعالم، كلُّنا حاضرين أمام الله. ونحمل معنا كل الرعية، وكل القرية أو المدينة، وكل البلد، مهما كانت ديانة كل واحد، لأن الله خلقنا جميعًا على صورته، وهو يحِبُّنا جميعًا، وكلُّنا شفعاء بعضنا لبعض، وأبناء الله، وإخوة وأخوات.

        ومع كنيسة رعيتنا، عندنا الأماكن المقدسة، عندنا القدس نفسها، التي قدَّسها يسوع المسيح، حيث صلَّى وعلَّمَ وخلَّصَ البشرية،  والناصرة وبيت لحم، ومكان المعمودية، وكل مكان مقدَّس في بلدنا... كلُّها تحمل دائمًا سر الله وحبَّه لنا وللبشرية. بيوتنا وشوارعنا في القدس وفي كل قرية أو مدينة مرَّ به يسوع المسيح، تحمل ذكرَه وسِرَّه، ونحن نعيش فيها، حياتنا اليومية، ونتنفَّس فيها سر الله. كل الأماكن المقدسة، المقامة في أرضنا، تذكِّرُنا بأعمال يسوع المسيح وتعليمه. يأتي الحُجَّاج من العالم ليُصَلُّوا فيها، ونحن نعيش فيها كل يوم: لنَعلَمْ أين نحن نعيش، في أية قداسة، وفي أي سر.

        صحيح أن أرضنا المقدَّسة، والتي تحمل سر الله، واقعة تحت سيطرة أناس يؤمنون بقوة أنفسهم وبقوة إخضاعهم لغيرهم. والوصول إلى أماكننا المقدسة أحيانًا يُحظَرُ علينا، بسب شرِّ الناس. لكن المكان المقدس، وسره، يعلو على ظلم الناس، ويبقى مكان سجود، وحضور أمام الله. وأمام الله، بالرغم من كل الحروب، نجد أنفسنا أبناء الله وإخوة وأخوات.

        في أماكننا المقدسة، نقوِّيَ إيماننا. لنُكثِرْ من زياراتنا لأماكننا المقدسة، ولا سيما عندما تكون في قريتنا وفي مدينتنا، حتى نتمَلَّى ونتشبَّع بالسر الذي فيها، لأن نفوسنا بحاجة إليه، وكل أرضنا، وكل سكَّان أرضنا، في الحاجة نفسها إلى سر الله.

        "وَعَادُوا إلَى أُورَشَلِيم... إلَى الهَيكَلِ" (٢٨). كانوا يتردَّدون مرارًا إلى الهيكل. مثل يسوع وتلاميذه لنتردَّدْ على أماكننا المقدسة، وإلى كنيسة رعيتنا، لنصلِّيَ، ولنتعلَّم، ولندخل في السر، وليكون لنا الإيمان، ولو مثل حبة الخردل، الذي ينقل الجبال.

        ربّي يسوع المسيح، كما كنْتَ تتردَّدُ كثيرًا على الهيكل في القدس، مع تلاميذك، أعطِنا لنور والقوة، حتى نتردَّدَ على أماكننا المقدَّسة، التي قدَّسْتَها أنت، وأعطَيْتَنا أن نعيش في قربها، لنمتلئَ بقداستها. آمين.

        السبت ٣/٦/٢٠٢٣                        بعد العنصرة