توصيات متفرقة ليسوع - متى ١٠: ٣٤ – ١١: ١

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس

٣٤ لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئتُ لِأَحمِلَ السَّلامَ إِلى الأَرض، ما جِئتُ لِأَحمِلَ سَلامًا، بل سَيفًا: ٣٥ جِئْتُ لِأُفَرِّقَ بَينَ المَرءِ وأَبيه، والبِنْتِ وأُمِّها، والكَنَّةِ وحَماتِها.٣٦ فيكونُ أَعداءَ الإِنسانِ أَهلُ بَيتِه.٣٧ مَن كانَ أَبوه أَو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنِّي، فلَيسَ أَهْلًا لي. ومَن كانَ ٱبنُه أَوِ ٱبنَتُه أَحَبَّ إِلَيه مِنِّي، فلَيسَ أَهْلًا لي. ٣٨ ومَن لم يَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني، فلَيسَ أَهْلًا لي. ٣٩ مَن حَفِظَ حَياتَه يَفقِدُها، ومَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها. ٤٠ مَن قَبِلَكم قَبِلَني أَنا، ومَن قَبِلَني قَبِلَ الَّذي أَرسَلَني. ٤١مَن قَبِلَ نَبِيًّا لِأَنَّه نَبِيٌّ فَأَجرَ نَبِيٍّ يَنال، ومَن قَبِلَ صِدِّيقًا لِأَنَّه صِدِّيقٌ فَأَجرَ صِدِّيقٍ يَنال، ٤٢ومَن سَقى أَحَدَ هٰؤلاءِ الصِّغارِ، وَلَو كَأسَ ماءٍ بارِدٍ لِأَنَّه تِلميذ، فالحقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ أَجرَه لن يَضيع.

توصيات متفرقة ليسوع - متى ١٠: ٣٤ – ١١: ١

متى ١١

١ولَمَّا أَتمَّ يسوعُ وَصاياه لِتَلاميذِه الِاثنَي عَشَر، ذهَبَ مِن هُناكَ لِيُعَلِّمَ ويُبَشِّرَ في مُدُنِهم.

الحرب. اليوم ٢٨٣

"جازَ علَيَّ غَضَبُكَ، وأَفنَتني مَخاوِفُكَ. كالمِياهِ أَحاطَت بي طَوالَ النَّهار، وأَطبَقَت علَيَّ في آنٍ واحِد" (مزمور ٨٨: ١٧-١٨).

ارحمنا، يا رب. كلا، يا رب، لا غَضَبُكَ جازَ علَينا، ولا أنت أَفنَيْتَنا، ولا أهوالك أَحاطَت بنا طَوالَ النَّهار. بل هو الإنسان في قسوته، مفرغًا من إنسانيته، والذي صار عاجزًا عن رؤية أخيه، هو الذي ما زال يحمل الموت إلى إخوته. وهي مجازر مستمرة، يا رب. في هذه اليومين، ٧١ قتيلا في مكان واحد في خان يونس، في قطاع غزة، والجديد: ٨٠ قتيلا في طولكرم، مدينة في شمال الضفة، حيث تعوَّدنا أن نسمع بقتيل أو اثنين او ثلاثة، في كل مدينة من مدن فلسطين، كل يوم. أما الآن فصارت مجازر: ٨٠ ولا لسبب، إلا أن الإنسان فقد إنسانيته. اللهم، أبانا، إننا بحاجة إلى رحمتك، ونورك وعدلك، في غزة وفي كل أرضك المقدسة. تعال، يا رب، ولا تبطئ. وبدِّلْ وجه أرضنا، وقلوب الناس. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم

توصيات متفرقة ليسوع.

الأولى تبدو لنا غريبة:

"لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئتُ لِأَحمِلَ السَّلامَ إِلى الأَرض، ما جِئتُ لِأَحمِلَ سَلامًا، بل سَيفًا: جِئْتُ لِأُفَرِّقَ بَينَ المَرءِ وأَبيه، والبِنْتِ وأُمِّها، والكَنَّةِ وحَماتِها. فيكونُ أَعداءَ الإِنسانِ أَهلُ بَيتِه" (١٠: ٣٤-٣٦).

يسوع لا يحمل سيفًا ولا حربًا، بل سلامًا. وليس هو الذي يفرِّق بين الابنة وأُمِّها، وليس هو الذي يجعل أهل البيت أعداء متخاصمين. يسوع هو كلمة الله، هو الله معنا. لا يحمل الحرب إلينا. إنما يحمل إلينا عالمــًا آخر ورؤية أخرى. جاء يعلِّمنا فيقول: سعيد هو الفقير، والذي لا يملك، والرحيم، والوديع والقلب الطاهر الذي يرى الله، وصانع السلام. وفي هذه الرؤية الجديدة، سلام الناس جميعًا.

طوبى للذين يؤمنون، ولا يحملون سيفًا، ولا يقومون على أهلهم وأي عضو من عائلتهم، ولا على أحد من البشرية عائلة الله الكبرى.

لكن الذين لا يؤمنون، الذين يرفضون أن يدخلوا في الرؤية الجديدة للعالم، هؤلاء يحملون السيف ضد إخوتهم، وضد سلام المسيح، ونوره الجديد الذي أفاضه على الأرض. فالإيمان بيسوع يمكن أن يعرِّض المؤمن إلى عداوة عائلته وأهل بيته، إن هم لم يؤمنوا الإيمان نفسه. هذا هو السيف والسلام في حياة المؤمن بيسوع، هي الاضطهادات التي يحملها من أجل المسيح.

"مَن كانَ أَبوه أَو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنِّي، فلَيسَ أَهْلًا لي. ومَن كانَ ٱبنُه أَوِ ٱبنَتُه أَحَبَّ إِلَيه مِنِّي، فلَيسَ أَهْلًا لي" (٣٧).

محبة يسوع محبة كاملة وفوق كل شيء. يقول يسوع: إن لزم الانفصال عن عزيز من أجلي فانفصلوا. لكن يسوع قال أيضًا: من ترك من أجلي أعزاء عليه، أو ممتلكات يلقى مئة ضعف، هنا على الأرض، وفي الأبدية. في محبة الله يجد المئة ضعف، في محبة الله التي تشمل البشرية كلها، وفيها كل الذين تركهم أعزاؤهم من أجل الله.

"ومَن لم يَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني، فلَيسَ أَهْلًا لي. مَن حَفِظَ حَياتَه يَفقِدُها، ومَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها" (٣٨-٣٩).

اتباع يسوع، هو أن نترك كل شيء ونعانق كل شيء، كل واقع الحياة البشرية، الصلبان في الحياة الشخصية، وصلبان البشرية كلها. صلبان الموت، واليأس، نجعلها مع صليب يسوع صلبان مغفرة ورجاء وقيامة. نحوِّل صلباننا وصلبان البشرية فتصير بمثل قدرة صليب يسوع المسيح طريقًا إلى القيامة.

"مَن قَبِلَكم قَبِلَني أَنا، ومَن قَبِلَني قَبِلَ الَّذي أَرسَلَني. مَن قَبِلَ نَبِيًّا لِأَنَّه نَبِيٌّ فَأَجرَ نَبِيٍّ يَنال، ومَن قَبِلَ صِدِّيقًا لِأَنَّه صِدِّيقٌ فَأَجرَ صِدِّيقٍ يَنال، ومَن سَقى أَحَدَ هٰؤلاءِ الصِّغارِ، وَلَو كَأسَ ماءٍ بارِدٍ لِأَنَّه تِلميذ، فالحقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ أَجرَه لن يَضيع" (٤٠-٤٢).

نحمل الصليب، ونصير مثل يسوع، حتى يرى الناس فيَّ يسوع، لا شخصي ولا نشاطي، حتى إذا قبلوني يقبلون يسوع لا شخصي أنا. وهذا عائق ممكن في حملنا للرسالة: الخطر هو أني لا أترك كل شيء، من ذاتي، من طلب مجد الناس. أعمل ليسوع ومرسل باسم يسوع، لكني أطلب مجد الناس، فيراني الناس أكثر مما يرون يسوع. في هذه الحال، يمكن أن ألقى نجاحًا كثيرًا أمام الناس، أما حياتي مع يسوع فتكون إخفاقًا. مَن قَبِلَكم قَبِلَني أَنا". لهذا يجب أن نكون صادقين، فنقدِّم يسوع على أنفسنا، فنفيد الناس الذين نذهب إليهم، فيرون يسوع، ولا يروني أنا إنسانًا، بدلًا من أن يروا الله.

ربي يسوع المسيح، أعطني أن أكون تلميذًا حقيقيًّا، أحمل السيف على الشر الذي فيَّ، والسلام لإخوتي. وأعطني أن أكون تلميذًا، فيعرفك الناس أنت، لا أنا، وأنا أبقى مخفيًّا ومكتفيًا في نورك وحقيقتك. آمين.

الاثنين ١٥/٧/ ٢٠٢٤            بعد الأحد الخامس عشر من زمن السنة/ب