المحبة وحمل الصليب - متى ٩: ١٤-١٧

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا

"فَدَنَا إلَيهِ تَلَامِيذُ يُوحَنَّا وَقَالُوا لَهُ: لِمَاذَا نَصُومُ نَحنُ وَالفِرِّيسِيِّونَ، وَتَلَامِيذُكَ لَا يَصُومُونَ؟ ... سَتَأْتِي أَيَّامٌ فِيهَا يُرفَعُ العَرِيسُ مِن بَينِهِم، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ" (١٤-١٥).

المحبة وحمل الصليب - متى ٩: ١٤-١٧

 

١٤. فدنا إليه تلاميذ يوحنا وقالوا له: لماذا نصوم نحن والفريسيون وتلاميذك لا يصومون؟ 

١٥. فقال لهم يسوع: أيستطيع أهل العرس أن يحزنوا ما دام العريس بينهم؟ ولكن ستأتي أيام فيها يُرفَعُ العريس من بينهم، فحينئذ يصومون. 

١٦. ما من أحدٍ يجعل في ثوبٍ عتيقٍ قطعةً من نسيجٍ خام، لأنها تأخُذُ من الثوب على مقدارها، فيصير الخَرْقُ أسوأ. 

١٧. ولا تُجعَلُ الخمرة الجديدة في زقاق عتيقة، لِئَلَّا تَنشَقَّ الزقاقُ فتُرَاقَ الخمرُ وتَتلَفَ الزِّقَاقُ، بل تُجعَلُ الخمرة الجديدة في زقاق جديدة، فتَسلَمُ جَميعًا.

 

"فَدَنَا إلَيهِ تَلَامِيذُ يُوحَنَّا وَقَالُوا لَهُ: لِمَاذَا نَصُومُ نَحنُ وَالفِرِّيسِيِّونَ، وَتَلَامِيذُكَ لَا يَصُومُونَ؟ ... سَتَأْتِي أَيَّامٌ فِيهَا يُرفَعُ العَرِيسُ مِن بَينِهِم، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ" (١٤-١٥).

كانوا يُصَلُّون ويصومون. تلاميذ يوحنا المعمدان، والفريسيون أيضًا. وأرادوا أن يفعل القادمون الجدد، أي تلاميذ يسوع، مثلهم. لكن الله لا يرى كما يرى الناس. يسوع كلمة الله الأزلي، صار إنسانًا وجاء ليخلِّص، وليتمِّم ويكمِّل ما كان الناس يعملون.

ولخَّص يسوع الشريعة كلها والأنبياء في وصية واحدة: المحبة. حتى الصيامات والصلوات من دون المحبة، محبة الله ومحبة الإخوة، لا قيمة لها. ومحبة الله تتطلب أكثر بكثير من الصوم والصلاة. فيسوع أحَبَّ حتى بذَلَ حياته في سبيل من أحَبَّ. وتلاميذه من بعده سيتألمون هم أيضًا ويبذلون حياتهم مثله، من أجله ومن أجل الإخوة.

جاء يسوع إلى الأرض، لا ليُصلِحَ الأرض برقعة من السماء، بل جاء يحمل شيئًا جديدًا إلى الأرض، جاء ليأتي بإنسانية جديدة. حياة إنسانية جديدة. طريقة حياة جديدة. مع الأسف، الفريسيون المتمسِّكون "بالأصوام" ولا يَمــتدُّ نظرهم إلى ما وراء الطقوس، ما زالوا عديدين حتى اليوم. صيام وطقوس، من دون توبة، وقلب صادق، ومن دون محبة الله والإخوة، كل هذا ما زال في العالم القديم.

"مَا مِن أَحَدٍ يَجعَلُ فِي ثَوبٍ عَتِيقٍ قِطعَةً مِن نَسِيجٍ خَامٍ، لِأنَّهَا تَأخُذُ مِنَ الثَّوبِ عَلَى مِقدَارِهَا، فَيَصِيرُ الخَرْقُ أَسوَأَ. وَلَا تُجعَلُ الخَمرَةُ الجِدِيدَةُ فِي زِقَاقٍ عَتِيقَةٍ، لِئَلَّا تَنشَقَّ الزِّقَاقُ فَتُرَاقَ الخَمرُ وَتَتلَفَ الزِّقَاقُ، بل تُجعَلُ الخَمرَةُ الجَدِيدَةُ فِي زِقَاقٍ جَدِيدَةٍ، فَتَسلَمُ جَمـِيعًا" (١٦-١٧).

لبناء الحياة، لا بد من الألم. يجب الصيام، لكنْ الصيام الذي يحمل على التوبة، ويبدِّل من الداخل، ويُدخِلُ الإنسان في العالم الجديد، في حب الله والقريب. هنا تبدأ الديانة الجديدة. نعم، صوم وصلاة، ولكن مع المحبة. والعطاء، الذي هو بذل الذات. هكذا تُبنَى مجتمعات بشرية جديدة. هكذا تُبنَى الكنيسة، الأسرة البشرية الشاملة التي أسَّسها يسوع المسيح.

يسوع أتى بجديد أزال الطقوس القديمة، والجديدة أيضًا، إن لم تكن سوى طقوس. جاء يسوع ليقول لنا: أحِبُّوا. ومن الله نفسه نتعلَّم كيف يكون الحب. حُبُّ الله هو الخروج من الأرض، هو النظر إلى علُ، إلى الله، والحياة معه. هذا أمر صار ممكنًا، مع يسوع المسيح. وهذا ما كان في الأصل. عندما نقول: خَلقَنا الله على صورته، هذا يعني: خَلَقَنا قادرين على الحب مثله، حبِّه هو تعالى، وحبِّ جميع الإخوة.

المحبة وحمل الصليب. قال يسوع: من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه ويتبعني. ليَضُمَّ صليبه إلى صليبي. لتكن حياته كلها، كل مشاعره، وأقواله، وأعماله، وليس فقط الصيامات والطقوس، لتكن كلها حياة معي.

نُحِبّ ونحمل الصليب. كان هذا أمرًا جديدًا لتلاميذ يوحنا. وكان يوحنا يرسل تلاميذه إلى يسوع ليسمعوه ويتبعوه، ويصيروا تلاميذه، ويسوع يقول لهم: أحبوا واحملوا الصليب. وتوبوا وادخلوا ملكوت الله الجديد. اتركوا كل ما هو قديم، اتركوا الإنسان القديم، لتصيروا الإنسان الجديد الذي جاء يسوع يصنعه بآلامه وموته وقيامته.

ربي يسوع المسيح، جِئْتَ لتجدِّدَ البشرية. جِئْتَ لتجدِّدَني. أعطِني أن أنفُضَ نفسي، أن أحرِّرَ نفسي من الإنسان القديم، لأحيا الحياة الجديدة التي أتَيْتَ بها. آمين.

السبت ٨/٧/٢٠٢٣                                الأسبوع ١٣ من السنة/أ