عادل السنهوري يكتب في ذكرى رحيل العندليب الأسمر الـ 49.. (3) حليم المثقف
عبدالحليم حافظ كان قارئا ومثقفا وصاحب صداقات متنوعة ومتعددة فى الوسط الصحفى والفنى والسياسى، حليم كما ذكر من أجروا معه الحوارات الصحفية قبل وفاته، مثل الكاتبة الصحفية إيريس نظمى فى مجلة الكواكب قبل منتصف السبعينيات بقليل، لم يكن تفوته الجرائد اليومية، الأهرام والأخبار والجمهورية، وبعيدا عن ذلك كان مهتما أيضا بالقراءة فى الصباح والمساء ساعة أو ساعتين يوميا، كما عرف عنه أنه كان يمتلك حسا نقديا عاليا، يتحدث الأدباء عنه ويسهبون فى التعليق على إبداعه، لكنه أيضا صاحب رأى ينم عن ثقافة تأسست من علاقته القوية بعمالقة الأدب فى عصره.
تجربة عبد الحليم أيضا فى الكتابة تكشف مدى قدرته على التنوع فى الثقافة والتعبير عما مر به من سنوات «اليتم» والصعود إلى المجد، لذا لم تكن تدخلات «العندليب» فى كتابة سيناريوهات الأفلام أو تغيير بعض كلمات أغانيه، أمرا ينم عن تحكم بقدر ما يدل على موهبة فى تذوق ما يقرأ ويكتب ويغنى أو حتى يسمع.
حليم كان يمتلك مكتبة كبيرة داخل منزله بالزمالك، كان يفضل قراءة نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويوسف السباعى ومصطفى محمود وأنيس منصور وتولستوى فى الأدب الروسى، ويقدم رؤيته فى أدب وكتابات كل أديب، فيرى فى أدب محفوظ: «يحارب الفقر بأغنى أسلوب.. كل التصرفات الشاذة لأبطال قصصه مرجعها الفقر.. تريد مثالا.. «القاهرة الجديدة» التى ظهرت على الشاشة باسم «القاهرة 30» بطلها شاب فقير جدا، اضطر أن يكون انتهازيا ليصل.. إن انحلاله بسبب الفقر".

يتحدث العندليب الأسمر عن يوسف إدريس ويقول: «كمسرحى.. مصدر ممتاز للبيئة والشخصيات الثابتة من هذه البيئة، وعن صديقه إحسان عبدالقدوس، يرى عبدالحليم فيه «كاتب عصرى يناقش مشاكل الشباب ويدلى برأيه فيها بوضوح، وهو ليس كاتبا جنسيا، ولكنه مرآة تنعكس عليها حقائق قد تؤلم الكثيرين، ولكننا إذا كسرنا المرآة، فلن نرى الحقيقة".
وفى أيام عبد الناصر اقترب عبدالحليم من الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل، وكان يحرص على أن يرسل له أسطواناته الجديدة خاصة الأغانى الوطنية، وكان لحليم جلسات متكررة مع هذا العقل المفكر يجلس مستمعا يصغى ويلتقط، وكان جهاز التقاطه بارعا يشبه مذيعة ذكية تلتقط أفكار المعد، وحينما تفكر أمام المشاهد تبدو وكأنها من بنات أفكارها.

عندما كان عبد الحليم يزور هيكل فى مكتبه يجلس ويستمع للمناقشات الدائرة، فإذا استعصى عليه شىء رفع إصبعه كالتلميذ فيرد عليه هيكل بلهجته الخاطفة «أيوه يا عبد الحليم.. إيه اللى شايفه عويص عليك؟» فيقول عبد الحليم «النقطة الفلانية» فيبدأ هيكل فى شرحها، ويستوعب عبد الحليم ما سمعه بوعى تام، وذلك حسبما ذكر الكاتب مفيد فوزى فى كتابه «صديقى الموعود بالعذاب".
استفاد عبدالحليم حافظ من صداقة هؤلاء المثقفين وتشرب أفكارهم فأخذ من إحسان عبدالقدوس نبض العصر، وأحمد بهاء الدين أهداه كيفية التفكير ويهديه كتبا يتفاعل معها، أما فتحى غانم فقد أعطاه النصح المخلص، وحسن فؤاد أعطاه الأمل والتفاؤل، وقال عبد الحليم عنه: «جوهرجى يلتقط المعدن ويصوغه»، كما أنه وصف على أمين بأنه بئر أسرار أكثر من مصطفى أمين، لأن الصحفى فى مصطفى أمين أعلى نبرة.








