عادل السنهوري يكتب في ذكرى رحيل العندليب الأسمر الـ 49.. (2) ذكاء حليم مع الكبار
كان عبد الحليم حافظ حريصا على أن يظل محاطا بالكبار، أمثال الشاعر والأديب والصحفى كامل الشناوى، مصطفى وعلى أمين، إحسان عبدالقدوس، أحمد بهاء الدين، صلاح جاهين، والرسام المبدع حسن فؤاد، والروائى فتحى غانم، والأديب يوسف إدريس، ثم انتقل إلى الجيل التالى الإذاعى الكبير وجدى الحكيم، والكاتب الصحفى اللامع منير عامر، ومحمود عوض، ليظل فى بؤرة الإعلام، وهنا تكتشف أن الإعلام كان يمنح عبدالحليم مساحات تتجاوز حتى ما منحه لأم كلثوم. لا يمكن أن نعزو ذلك إلا لسبب واحد. إنّها جاذبية عبد الحليم. نعم فى حياته كان قادرا على السيطرة على الإعلام مرئيا ومسموعا ومقروءا.
"الموهبة لا تكفى فقط كى تحافظ على نجاحك، ينبغى أن تتوافر لها حماية أخرى من خلال الإعلام".. عندما نسأل فنانا عن مكانته بين زملائه، يقول لك تلك الإجابة التى صارت "كليشيه": لا دخل لى بالآخرين.. أنا فقط لا أفكر إلا فى اختياراتى وربنا يوفق الجميع.
عبدالحليم كان يراقب الجميع، كان يتابع النجاح الذى يحقّقه أى فنان ويتأمله ويحاول أن يعثر على أسبابه، لم يعتبر الآخرين غير موجودين على الساحة ولم ينكر أنه يتابعهم، كان أحيانا يتدخل بذكاء فى إشعال التنافس بين منافسيه حتى يبددوا طاقاتهم فى الصراع فيما بينهم، بينما يواصل هو التقدم بمفرده.

حليم وكامل الشناوي
نعم لم يكن عبدالحليم حافظ فقط هذا الفنان الحالم المتسامح، كما كنا نشاهده دائما من خلال تلك الصورة الذهنية التى صدّرها لنا، فصارت راسخة فى الوجدان حتى الآن- كما يقول الناقد الفنى طارق الشناوى ابن شقيق كامل الشناوى- رغم ذلك، فإنّ كبار الكتاب كانت لديهم أيضا قدرة على أن يرسموا بدقة صورة عبدالحليم حافظ، يكشفون المناطق السهلة والممنوعة، وهذا هو ما دفع كامل الشناوى إلى أن يطلق عليه تعبيرا صار لصيقا به كأنه مفتاح لشخصيته «عبدالحليم يصدق إذا غنى، ويكذب إذا تكلم».. البعض يرى فيها نصف الكوب الفارغ، فهو - أى عبد الحليم- إنسان كاذب، لكن إذا تأملت النصف الثانى، ستجده يؤكد أن عبدالحليم فنان صادق، خُلق لكى يبدع فنا.

حليم وصلاح جاهين وهيكل
كل شىء بالنسبة إلى حليم كان لديه وظيفة واحدة ووحيدة هى أن يضع عبد الحليم فى مكانة خاصة، قد يضحّى بصداقة صديق، قد يلجأ إلى الضرب تحت الحزام، قد يسطو على لحن أو ملحن أو شاعر، وقد يستخدم سلاح السخرية أو حتى التشنيع، قد تحمل هذه الكلمات قدرا من القسوة، لكن هناك اتفاق إنسانى على أنّ كل العظماء فى حياتنا ليسوا ملائكة ولهم نقاط ضعفهم، وهكذا هو عبدالحليم حافظ الذى لم يعرف الصدق إلا عندما كان يغنى، وهكذا عاش فى حياتنا وعاشت معه كلمات كامل الشناوى!

حليم وعبد القدوس

يوسف ادريس
الدلائل كثيرة على حرصه أن يكون محاطا بالكبار، فلم تفوته مناسبة إلا وكان حاضرا بجسده أو بكلماته، ففى مناسبة عيد ميلاد كامل الشناوى كان حليم موجودا فى الولايات المتحدة الأمريكية فى رحلة علاج معتادة، ورغم ذلك- كما يكشف طارق الشناوى فى خطاب من حليم إلى عمه ظل محتفظا به- أرسل حليم فى الخطاب أو الرسالة التى بعث بها فى الأول من ديسمبر عام 1963: الأخ الحبيب الأستاذ كامل الشناوى دار أخبار اليوم. مصر من أمريكا عبر المحيط، أكتب لك معبّرا عن شوقى وحبى وشكرى على كلمتك الحلوة الرقيقة، ولأقول لك كل سنة وأنت طيب، وأنت سعيد وأنت بكامل صحتك، وكل سنة وأنت تملأ الدنيا شعرا وحياة، وكل سنة وأنت معنا نحبك وتحبنا وتملأ حياتنا بكلماتكم الحلوة.. أقبّلك وإلى اللقاء القريب إن شاء الله أخوك عبدالحليم.
غنّى حليم لكامل الشناوى ثلاث قصائد هي: لا تكذبى ولست قلبى وحبيبها.

منير عامر







