عادل السنهوري يكتب في ذكرى رحيل العندليب الأسمر الـ 49..
العندليب الأسمر نموذج وحالة إنسانية خاصة لإدارة الموهبة الفنية..وهو أفضل تجسيد لمقولة الغائب الحاضر أو الغائب الذى يكثف غيابه حضوره الطاغى مثل الشخصيات الخالدة فى التاريخ الإنسانى فى السياسة والأدب والعلم والفن. فى كل مرة- رغم سنوات الرحيل والغياب- نشاهده فى أفلامه، ونستمع إلى أغنياته وكأنما نراه ونستمع إليه لأول مرة.. نفس اللهفة والفرحة والشوق التى تسيطر على مشاعرنا فى اللقاء والحب الأول، وكأنها أعمال فنية طازجة نتلهف لمتابعتها فى بهجة ومحبة.
هل هى حالة خاصة بجيلنا أو الأجيال السابقة التى عاصرت عبدالحليم حافظ؟
أكاد أجزم أنه ما زال يمثل الحالة ذاتها لدى الأجيال الحالية أيضا بدليل أن أغنياته تحتل إلى الآن المراكز الأولى فى الانتشار والتوزيع والاستماع إليها.
ما زال حليم هو أسطورة الغناء العربى، ما زال هو حامل لواء الرومانسية فى حياة أجيال كثيرة منذ الخمسينيات وحتى الآن، وربما إلى أجيال قادمة.
مشوار فنى طويل خاض حليم خلاله معارك فنية كثيرة- لها ما يبررها- أغضبت منه الكثير من الفنانين حتى أقرب أصدقائه، وانتهت جميعها بالصلح لأنها دارت حول الفن والغناء، الذى بدت معه «شراسة» حليم الإنسان الطيب اليتيم.
رغم الغياب، ما زالت الحكايات عنه كثيرة، ومذكرات بعض الفنانين من أبناء جيله وحواراتهم تزدحم بالأسرار فى العلاقة معه، فقد خاض حليم معارك كثيرة لكى يبقى معتليا قمة الغناء فى مصر والوطن العربى، ولجأ إلى كل الحيل والأساليب والأدوات التى تجعل منه فارس الأغنية الأول، والحكايات فى هذا المجال كثيرة. دخل فى معارك فنية وشخصية حتى مع كوكب الشرق أم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد رشدى ووردة، ومع أقرب أصدقائه إلى قلبه، الطويل والموجى، ورغم ذلك ما زال هناك جزء غائب عن تفسير هذه المعارك التى خاضها ولو من الجانب النفسى.

حليم يصافح الرئيس عبد الناصر والى جانبه بعض قادة الثورة المصرية
الكاتب الصحفى المرموق محمود عوض- وصديق حليم- يقول فى كتابه «بالعربى الجريح»: "إن عبدالحليم حافظ خاض مشوار نجاحه مرتين، أولا لكى يصل إلى القمة، وثانيا لكى يستمر فيها، الأول وجد حليم من شاركوه وكانوا جزءا من نجاحه، ووجد من حاربوه أيضا، هكذا لا يمكن أن نفهم ظاهرة حليم من دون أن نفهم أساس مشاركة كمال الطويل ومحمد الموجى وبليغ حمدى فى الوصول إلى قلوب الناس بلون جديد، وسط أسماء كبيرة وقتها، لها قاعدتها الجماهيرية العريضة".
يضيف عوض: "علينا أن نتذكر أيضا أن عبدالحليم لم يكن فى أى وقت مطرب السلطة، كما يحاول البعض تفسير نجاحه، فبعد الاختراق الأول الذى حققه حليم إلى قلوب الجماهير، وجد من يتبنوا صوتا بديلا اسمه كمال حسنى، أقلام بارزة وصحف كاملة حشدت نفسها لتقديم كمال حسنى كمنافس لعبدالحليم حافظ، وتعاقد على أفلام سينمائية وقدم إليه كبار الملحنين ألحانا عذبة ومضت فى سبيله حملة دعائية كبرى، لكنه فى النهاية توارى واستمر حليم نجما متربعا فى قلوب الجماهير وعلى عرش الغناء، ولم تتوقف الحرب ضده حتى بعد رحيله. أقول إنها حرب لأنها كانت كذلك بين وقت وآخر".
حارب حليم فى كل اتجاه حتى يصبح ملكا على عرش الغناء الرومانسى والشعبى والوطنى، وعبر بذكائه الشخصى والفنى عن الحب بأصدق وأروع صوره، وعن الوطن الناهض والصاعد فى مواجهة التحديات، وفى معارك البناء والتنمية وصوت ناصر فى الشارع المصرى والعربى، وصوت العروبة فى المحافل الدولية، وبالفعل مات حليم وعاش فنه يخلده، وما زال متربعا بصوته وصدقه الفنى وعشقه لفنه على قلوب ووجدان ملايين المصريين والعرب حتى إشعار آخر.. ربما لن يأتى!

حليم على فراش المرض يتابع الأحداث






