الدكتور وليد حداد في لقاء مع موقع "القيامة" يدعو الشباب العرب الى التوقف عن تجارة الفوريكس والسلاح لأنها خسارة بالمطلق

القيامة - بدأنا الحديث عن العنف قبل ربع قرن تقريبا، في إشارة إلى اعتداء هنا أو هناك، اعتداء على سيارة معلم/ة، شجار بالعصي أو الطعن بأداة حادة، خلاف بين عائلات أدى الى مصابين وجرحى، وانتقلنا بعد سنوات للحديث بخجل عن الجريمة، اثر الانتقال الى مرحلة جديدة من العنف الشديد، وبعدها تأكدنا بأننا دخلنا إلى مجتمع الجريمة المنظمة مع نمو "عصابات الاجرام" التي تحاكي ما شهدته المجتمعات الغربية والاسرائيلية، والمثير في الأمر أننا كنا كمجتمع نتجاهل – في أغلب الحالات- الموضوع ونتجنب الخوض به بجدية، إلى أن غرقنا في الجريمة وباتت أعداد كبيرة من شبابنا "تعمل" في هذه "المهنة" الدخيلة على مجتمعنا، وتتخذ الجريمة في أيامنا أشكالا مختلفة ويمارسها المزيد والمزيد من شبابنا، والجميع يبحث عن "الحل مفقود"، لكن الخبير في علم الجريمة والمحاضر الدكتور وليد حداد يرى بأنه "آن الأوان لوضع الإصبع على الجرح والبحث في مسببات الظاهرة الخطيرة الكامنة في انخراط شبابنا في عالم الجريمة"، كما قال في حديثه مع موقع "القيامة" وجريدة "الصنارة".

الدكتور وليد حداد في لقاء مع موقع "القيامة" يدعو الشباب العرب الى التوقف عن تجارة الفوريكس والسلاح لأنها خسارة بالمطلق

القيامة: كيف تصف لنا بداية، ما يعانيه مجتمعنا العربي اليوم؟

د. حداد: في البداية إلى أن المجتمع العربي يعاني من آفة العنف بشكل تصاعدي وكل سنة يكسر حاجزا جديدا. بدأنا في العام 2016 مع 50 قتيلا، وخلال سنتين ارتفعنا الى 100 قتيل، وبعد سنتين الى 200 قتيل واليوم تجاوزنا هذا العدد. وحسب المعطيات والجرائم التي شهدناها منذ بداية العام الحالي، سنتجاوز العدد 300 قتيل. وهكذا لم يكن هناك أي تراجع أو توقف في الجريمة، انما دائما ارتفاع في حصيلة الجريمة. في الأعوام العشرة الأخيرة، لم نعد نتراجع عن الحاجز الذي اجتزناه، وكلما وصلنا إلى عدد جديد من الضحايا لا نشهد تراجعا رغم كثرة الحديث عن اجراءات وملاحقات.

القيامة: ما هي الخطوة الجديدة التي بادرت اليها في مجال مكافحة الجريمة؟

د. حداد: اننا اعتدنا على الشعارات والكلام المكرر حول الجريمة ومكافحتها، لكن لم نسمع عن مخططات جدية وبرامج عملية، ولهذا بادرت إلى مشروع جديد وبشكل فردي يكمن في دراسة مسببات الظاهرة المستجدة وكيفية مواجهتها بعد دراستها. المعضلة التي تواجهنا كمجتمع هي انضمام أعداد كبيرة من شبابنا لعالم الجريمة، فطموحات شبابنا باتت اليوم العمل في الجريمة واطلاق الرصاص، بدل التفكير والتخطيط لمتابعة الدراسة العليا وكيفية التقدم في مجال العلم والعمل كما كانت طموحات الأجيال السابقة. حتى من لديه توجهات أكاديمية يتوجه الى عالم الجريمة وبتنا نرى معتقلين من طلاب جامعيين وأكاديميين.

ليس هناك مثال أو نموذج في العالم يشير الى وجود مشكلة تهملها، تعالج نفسها بنفسها. وإن أي مرض، أزمة، آفة لا بد وأن تتفاقم إذا لم تجد العلاج المناسب.

القيامة: كيف لنا أن نكافح الجريمة في ظل هذه الأوضاع؟

د. حداد: لمكافحة الجريمة لا بد وأن نضع الإصبع على الجرح ومن ثم المواجهة المباشرة، وهذا ما بدأ العمل عليه في الآونة الأخيرة من خلال محاضرات ولقاءات مباشرة مع السجناء وكذلك مع الهيئات التدريسية والطلاب، وأهدف من وراء ذلك إلى جعل الشباب يفكرون بالمصائب التي يتعرضون لها في عالم الجريمة، وأنه في حساب الربح والخسارة ليس هناك ربح في هذا المجال، بل خسارة مطلقة ودمار ذاتي. هذا هو المنطق الذي أتكلم فيه مع السجناء، الذين يعرفون بأن حياتهم وحياة عائلاتهم تضررت وتدمرت، وفعلا بعد لقائي بهم يتوجه عدد منهم الي باقتناع معبرين عن رغبتهم بالعزوف عن هذه الأعمال، والتوجه إلى أعمال مشروعة بعد خروجهم من السجن.

ومما يأسف له حداد أن شباب اليوم وخاصة الطلاب الجامعيين يرفضون العمل الجانبي بأجر متواضع، كما كان يفعل أبناء الأجيال السابقة حيث كانوا يعملون في البناء وأعمال أخرى، مقابل مبلغ زهيد، بينما اذا عرضت على أحدهم اليوم ان يعمل في مصلحة بمبلغ زهيد، يهزأ بك ويرفض ويعتبر هذا اهانة شخصية له. ويأخذ في البحث عن عمل سهل وربح عال وسريع.  

القيامة: ما هي الورطات الجديدة التي وقع فيها شبابنا وكيف يمكن الخروج منها؟

د. حداد: تلك الحالة أودت بالعديد من شبابنا إلى المتاجرة بالسلاح التي تحولت الى "استثمار". وهناك من يريد أن يعمل في اطلاق الرصاص، لكن البعض يخشى هذا المجال، لذا يتوجه الى "الفوريكس"، وهي عبارة عن بورصات وهمية وتداول بالعملات الرقمية، هي عدة مجالات أساسها مصالح حقيقية وشرعية، وكما في كل مصلحة توجد سرقات، هكذا حصلت سرقات في الفوريكس من قبل شركات تجارة وهمية تتصيد أناسا طمعانين بالربح السريع، حيث يبيع الوكلاء من خلالها الأوهام للناس، ويدخل الشخص العامل في هذا المجال الى عالم الكذب والخداع، مما يورطه في قضايا شائكة".

وأؤكد هنا بأن واجب الحكومة الردع والعمل، لكن التثقيف من مسؤوليتنا. ويتمنى أن تتبنى لجاننا وهيئاتنا وأحزابنا مثل هذه المبادرات، كي نساهم جميعنا في التصدي للواقع القاتم والمستقبل السوداوي.

وأوجه في الختام رسالة إلى أبناء الجيل الجديد بالتفكير في دراسة المهن الانسانية، رغم أن ذلك يتطلب سنوات لبناء الذات، لكن للأسف هذا لا يريده أبناء الجيل الجديد الذين يسعون للسير في الطريق القصير نحو عالم الجريمة.