صدور كتاب "الحرش الفلسطيني: دراسة في سياسات الغزو الأخضر في فلسطين" للدكتور شكري عراف واسكندر عطية
بين ظلال السنديان وأعشاب البطم وإبر الصنوبر اليابسة، تولد الذاكرة الفلسطينية من جديد في كتاب جديد يصدر عام 2026 بعنوان "الحرش الفلسطيني: دراسة في سياسات الغزو الأخضر في فلسطين" من تأليف الدكتور شكري عرّاف والباحث إسكندر عطيّة، في إصدار مشترك بين مركز الدراسات القروية ودار طباق للنشر والتوزيع. لا يقدّم هذا الكتاب نفسه كمجرد دراسة بيئية أو توثيق نباتي، بل كعمل بحثي – ثقافي عميق يقرأ التحولات الرمزية والسياسية التي مرّ بها "الحرش" في فلسطين عبر قرون، من فضاء طبيعي مقدّس وملاذ شعبي إلى أداة استعمارية ناعمة، ثم إلى رمز مقاومة يعيد الفلسطيني من خلاله كتابة المكان واستعادة الذاكرة.
ينطلق الكتاب، الذي يشكّل ثمرة سنوات من البحث الميداني والتحليل التاريخي الذي أنجزه عطيّة وعرّاف، من فرضية أساس مفادها أن الطبيعة في فلسطين لم تكن يومًا حيادية، وأن الأشجار والأحراش – كالبيوت والمقابر والحجارة – شكّلت جزءًا من الصراع على الأرض والهوية، ومما قد يُسمّى الكتابات الطبيعية مثل السنديان والبطم والبلوط التي تفتح نوافذ إلى الحياة اليومية والدينية والاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية.
وتتجلّى هذه العلاقة القديمة والمركّبة، لكن هذا المشهد الطبيعي بدأ يتعرّض لتغييرات جذرية منذ أواخر العهد العثماني، وتفاقم في الانتداب البريطاني، ليبلغ ذروته بعد عام 1948 حين استخدم المشروع الصهيوني "التحريش" كأداة سياسية لطمس القرى المدمّرة وإعادة تشكيل الجغرافيا بما يخدم سرديته القومية.
يتناول الكتاب، عبر فصوله الأربعة التي صاغها المؤلّفان بدقّة وفق منهجية تجمع بين الدقة الأكاديمية والبعد الوجداني، البنية البيئية للأحراش الفلسطينية والروابط الاجتماعية والدينية للأشجار في الوعي الجمعي، كما يوثّق التحولات التاريخية التي طرأت على وظيفة "الحرش" في ظل الحكم العثماني والانتداب البريطاني والمشروع الاستيطاني. كذلك، يتناول الكتاب بالتفصيل الدور الذي لعبته مؤسسات مثل "الصندوق القومي اليهودي" و"سلطة الطبيعة والحدائق" في إنتاج مشهد طبيعي يخفي الوجود الفلسطيني ويتعرّض لخطر تحوّل "التحريش" إلى أداة إقصاء.

وكأحد الأمور التي قدّمها عطيّة وعرّاف في هذا العمل قراءة مغايرة للطبيعة بوصفها فضاءً سياسيًا وثقافيًا ومبدئيًا للمقاومة: ففي الشعر والرواية والفن، يتحوّل "الحرش" إلى كنز، عاد يلظهر مثل "كتب أخضر" في شعر محمود درويش أو في مقاطع شعرية أخرى، ومثال بصري هو في الرواية والفن، الذي يتضمّن "الحرش" كرمز، عاد ليظهر مثل "كتب أخضر" في فلسطين المعاصرة لأعمال فنية تحتفي بالذاكرة التي يصمد أمام قصيدة أو لوحة أو حكاية تعيد للشجرة قيمتها ومكانتها، من هنا، يفتح الكتاب أفقًا جديدًا لإعادة التفكير في العلاقة بين الطبيعة والهوية، بين المحراث والسياسة.






