الأب أندراوس بحوث يُنهي أربعة عشر عاما من الامانة والمسؤولية كقيّم عام للأبرشية ويستمر في حمل الرسالة
الكاتب : الأب ميشيل طعمة – مدير المركز الأبرشي الاعلامي وكاهن رعية الروم الكاثوليك في ترشيحا
إنّ عَلاقتي ومعرفتي بقُدس الأب أندراوس بحّوث تعود إلى سنة 1996؛ حيث كنتُ يومها طالبًا إكليريكيًّا أدرس في الجامعة الحبرويّة في روما، وهو كان كاهنًا راعيًا لكنيسة القدّيس أندراوس في عكّا. خلال هذه السّنوات لم يكن أبونا أندراوس بحّوث مجرّد كاهن صديق، بل كان معلِّمًا وأبًا موجِّهًا ومرشِدًا بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى. عايشتُه عن قُرب في صلاته، في عمله الرّعويّ، في عظاته المُلهمة، وفي حواراته الّتي كانت دائمًا تحمل بُعدًا إنسانِيًّا عميقًا وفكرًا لاهوتِيًّا مُنفتِحًا ومُتنوِّرًا.
يرى أبونا أندراوس في الكنيسة بيتًا للجميع بدون استثناء، وفي الإنسان قيمة لا تُقدَّر بثمن، بغضّ النّظر عن دينه وخلفيّته وانتماءاته.
أبونا الحبيب أندراوس، لقد تعلّمتُ منكَ الكثير، وما زلتُ أتعلّم في كيفيّة خدمة شعب الله بإخلاص وقدسيّة، وفي احترام الآخر واحتضانه، وفي السّعي إلى الحقيقة بمحبّة وتواضع؛ لأنّكَ تؤمن وتقول لي إنّ الكلمة الطّيّبة والفكر العميق قادران على خلاص النّفوس، وقد فعلتَ ذلك مرارًا في مواعظك وكرازاتك ومحاضراتك وتعاملك مع الآخرين.
اليوم شهادتي فيك ليست من باب الوفاء فحسب، بل من باب الاعتراف بالجميل لشخصكَ الرّائع المُثقّف والشّامل والرّاقي والواعي والمُحِبّ الّذي لا يزال يقدّم حياته وخبرته للكنيسة وللعلم ولنشر ثقافة السّلام.
عندما أتحدّث عن الأب أندراوس، فأنا أعني رجلًا لا يُشبه غيره في علمه وتواضعه وعمق فكره.
إنّ ما يميّزكَ أبتي الحبيب لم يكن فقط غزارة معرفتك، بل طريقتك في تحويل كلّ لقاء إلى حوار نابض، وكل فكرة إلى جسر يمدّنا بالحياة.

الأب ميشيل طعمة
*ولا أزالُ أتعلّمُ منكَ أنّ إنسانيّتنا لا تكون حقيقيّة، إن لم تكن مسيحيّتنا حقيقيّة.*
إنّ أثركَ فيَّ، أيّها الأب الحبيب أندراوس، لأثرٌ عميق منحوت، وأنا مدين لكَ بالكثير من وعيي وانفتاحي وخدمتي.
أبتي الحبيب،
في مسيرة الكنيسة والمؤسّسات الكنسيّة، يبرز أحيانًا رجال لا تُقاس خدمتهم بفترة زمنيّة فحسب، بل بالأثر العميق الّذي يتركونه في البُنية الإداريّة والرّوحية والتّنظيميّة، ومن بين هؤلاء، يبرز اسمك أيّها العزيز قدس الأب أندراوس بحّوث؛ حيث تولّيتَ منصب القيّم العامّ لأبرشيّتنا مدّة أربعة عشر عامًا، أمينًا على أموالها وأملاكها، في مرحلة كانت مليئة بالتّحدّيات، وتتطلّب قدرًا عاليًا من الإدارة الحكيمة والثّبات والمثابرة والدّقّة.
لم تكن هذه السّنوات الأربع عشرة مجرّد فترة إداريّة عابرة، بل كانت مرحلة مفصليّة في إعادة تنظيم العمل، وترسيخ الإدارة، وحفظ الأملاك، وتثبيت الموارد، ما يعكس رؤيا واضحة تقوم على الأمانة والمسؤوليّة والانضباط؛ فقد حملتَ هذه المسؤوليّة الثّقيلة بروح الخادم الأمين الغيور، لا بروح الباحث عن موقع أو سلطة، بل بروح الرّجل الّذي يدرك أنّ ما بين يديه هو وديعة يجب صونها وحمايتها؛ مُحقّقًا قولك الدّائم العازم: "أنا لا أعمل من أجل الأشخاص، أنا أعمل من أجل المسيح والكنيسة".
كانت الأبرشيّة تمرّ بظروف ماليّة صعبة، وكانت على شفا الانهيار، ولكن حين تسلّم الأب أندراوس بحوث المسؤوليّة كقيّم عام، كان له دور حاسم في التّرميم وضبط الأمور، وإعادتها إلى نصابها السّليم والقانونيّ.
لقد أعاد للأبرشيّة مكانتها بجهده وإخلاصه، ورفع من مستوى إدارتها وأمانتها الماليّة، وتحمّل مسؤوليّات ضخمة بمفرده. كان شخصًا لا يعرف الكَلل، وكان مرجِعًا لكلّ الآباء.
لقد تميّز في عمله بالهدوء والحكمة، والتّرويّ في اتّخاذ القرار، فلم يكن من الأشخاص الّذين ينجرّون خلف الانفعال أو الضّغوط، بل كان يميل دائمًا إلى دراسة الأمور بعمق، ووضع مصلحة الأبرشيّة فوق أيّ اعتبار آخر.
هذه المقاربة جعلت منه شخصيّة إداريّة ذات طابع ثابت، قادرة على التّعامل مع الملفّات المعقّدة بحسّ مسؤول وقراءة واقعيّة للظّروف المحيطة والمًستجدّة.
وخلال سنوات خدمته، تمّ العمل على تعزيز إدارة الأملاك والأراضي التّابعة للأبرشيّة، والحفاظ عليها من التّعدّيات أو الضّياع، إضافة إلى تنظيم الموارد الماليّة بشكل أكثر دقّة، ما أسهم في تعزيز استقرار المؤسسة وتقوية بنيتها الدّاخليّة، وهذا الجانب، تحديدًا، يُعتبر من أهمّ إنجازات أيّة إدارة كنسيّة مسؤولة، لأنّه يتعلّق بالأمانة المباشرة تجاه الرّسالة والكنيسة.
ولم تكن الطّريق سهلة أو خالية من التّحدّيات والعقبات، فقد واجه الأب أندراوس ضغوطًا عديدة وانتقادات أحيانًا، وتأويلات مختلفة لبعض مواقفه وقراراته الصّائبة، ومع ذلك، بقي ثابتًا في نهجه، لم يردّ الإساءة بمثلها، ولم ينزلق إلى ردود فعل انفعاليّة، بل اختار أن تكون أعماله هي الجواب، وإنجازاته هي الرّدّ، وصمته الواعي هو الموقف.
إنّ مثل هذه المواقع القياديّة لا تخلو من الجدل، لكنّ الإنصاف يقتضي النّظر إلى الصّورة الكاملة، لا إلى الجزئيّات أو الضّجيج المحيط بها؛ فالتّاريخ الحقيقيّ لأيّ مسؤول يُكتب من خلال النّتائج والإنجازات الّتي تتحقّق على أرض الواقع، لا من خلال الرّوايات المتناقلة أو الانطباعات اللّحظيّة.

وبالنّظر إلى مسيرة الأب أندراوس بحّوث، يمكن القول إنّ بصمته الإداريّة واضحة في مسار الأبرشيّة خلال سنوات خدمته ومسؤوليّاته، سواء من حيث الاستقرار التّنظيميّ، أو حماية الأملاك، أو تعزيز مفهوم الإدارة المسؤولة، وهي إنجازات لا تُبنى في ليلة وضُحاها، بل تحتاج إلى صبر وثبات وخطط طويلة الأمد.
وقد تميّز أبونا الحبيب بأنّه لم يسعَ مرّة إلى الظّهور الإعلاميّ أو البحث عن الأضواء، بل اختار أن يعمل بصمت، بعيدًا عن الاستعراض والضّوضاء، ما يعكس نمَطًا من الخدمة المقدّسة الّتي تقوم على الجوهر لا على الشّكل، وعلى الفعل لا على القول المجرّد.
وفي الختام، تبقى تجربة قُدس الأب أندراوس بحّوث مثالًا على نوع من الخدمة الإداريّة الكنسيّة الّتي توازن بين الأمانة والحكمة، وبين المسؤوليّة والهدوء، وبين القرار والثّبات.
وهي تجربة تستحقّ أن تُذكَر في سياقها الكامل، بعيدًا عن التّبسيط أو التّشويه، وبروح من الإنصاف والتّقدير.
إن ما قدّمتَه أبونا أندراوس الحبيب خلال أربعة عشر عامًا ليس مجرّد وظيفة أدّيتَها، بل مسيرة خدمة تركت أثَرًا واضِحًا في بنية الأبرشيّة وإداراتها، وسيبقى هذا الأثر جزءًا من تاريخها، وشاهدًا حيًّا على مرحلة من مراحل البناء والتّنظيم داخل الأبرشيّة.
والآن وقد تنحّيتَ عن مهامّكَ الجبّارة، فنحن واثقون أنّكَ لم تُخْلَقْ لتهدأ، بل لتستمرّ في مسيرة القمم والتّغيير، بهمّة لا تعرف الفتور أو الملل، فكما أنهضتَ كنيسة عكّا بحجرها ومؤمنيها، وكما أعدتَ ترميم كنيسة شفاعمرو ومؤسّساتها الدّينيّة، وكما وضعتَ بصمة تاريخيّة في تنظيم الأبرشيّة وإدارتها، فحتمًا لا تزال أمامكَ طريق طويلة لتقدّم فيها من غيرتكَ وخبرتكَ، لأنّ مواهب الرّوح القدُس لم تكنْ لتهدأ، سيّما لدى من هو كاهن وراع ومسؤول.
شكرًا من القلب أبونا على كلّ ما حملتَه من تعب وهموم وجراح في سبيل الكنيسة ونجاحها واستقرارها.
شكرًا لأنّكَ وُلِدتَ في بيت أمين وراسخ في زمن الصّعاب والشّدائد، ولأنّكَ اتّخذتَ الأمانة عُنوانًا في حياتكَ كونها وصيّة إلهيّة، وكنت حاضرًا في كلّ احتياج دون أن تطلب شيئًا لنفسك.
شكرًا ً لكلّ بَذْل وتضحية وعطاء قدّمتَه للأبرشيّة ولكنيستك.

شكرًا أبونا أندراوس لأنّكَ علّمتَنا الإنسانيّة الحقّة الّتي لمسناها طَوال سِني خدمتكَ ورعايتكَ.
شكرًا أبونا أندراوس لأنّكَ لم تكن محدودًا، بل أفقًا منفتحًا على المحبّة والمعرفة والخدمة.
شكرًا على شخصيّتكَ المُتّقدة الّتي لا تزال تغمرنا بالأمل والرّجاء.
شكرًا لأنّكَ رأيتَ فينا المعجزات وآمنتَ بقدراتنا.
شكرًا ً لأنّكَ طوّعتَ مواهبكَ في سبيل العمل والخدمة الرّعائيّة والرّعويّة.
أرفع صلاتي القلبيّة إلى الرّبّ الإله أن يمنحكَ أضعافًا من بركاته ونِعمه، وأن يسكب على قلبكَ كلّ نعمة وبركة وبرّ وقداسة وعافية وسلام، وأن يملأ قلبكَ بالفرح كما زرعتَ أنت في قلوب الكثيرين، ضارعين إلى سيّد الخليقة أن تبقى كما عهدناكَ مُتّقدًا بالغيرة الخلاصيّة، والعمل الرّعويّ البنّاء والمُجدِّد والخدمة المقدّسة، مجدًا لله وخلاصًا للنّفوس.







