وأُعْلِنُ ما كانَ خَفِيًّا مُنذُ إِنشاءِ العالَم - متى ١٣: ٢٤-٤٣

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، البطريرك الأسبق للّاتين في القدس

٢٤وضرَبَ لَهم مَثَلًا آخَرَ قال: «مَثَلُ مَلَكوتِ السَّمَواتِ كَمَثلِ رَجُلٍ زَرَعَ زَرْعًا طَيِّبًا في حَقْلِه. ٢٥وبَينما النَّاسُ نائمون، جاءَ عَدوُّه فزَرعَ بَعدَه بينَ القَمحِ زُؤانًا وانْصَرَف. ٢٦فلَمَّا نَمى النَّبْتُ وأَخرَجَ سُنبُلَه، ظَهَرَ معَه الزُّؤان. ٢٧فجاءَ رَبَّ البَيتِ خَدَمُه وقالوا له: «يا رَبّ، أَلَم تَزرَعْ زَرْعًا طَيِّبًا في حَقلِكَ؟ فمِن أَينَ جاءَهُ الزُّؤان؟» ٢٨فقالَ لَهم: «أَحَدُ الأَعداءِ فَعَلَ ذٰلك». فقالَ له الخَدَم: «أَفَتُريدُ أَن نَذهَبَ فنَجمَعَه؟» ٢٩فقال: «لا، مَخافَةَ أَن تَقلَعوا القَمْحَ وأَنتُم تَجمَعونَ الزُّؤان، ٣٠فَدَعوهما يَنبُتانِ معًا إِلى يَومِ الحَصاد، حتَّى إِذا أَتى وَقْتُ الحَصاد، أَقولُ لِلحَصَّادين: اجمَعوا الزُّؤانَ أَوَّلًا واربِطوه حُزَمًا لِيُحرَق. وأَمَّا القَمْح فَاجمَعوه وَأتوا بِه إِلى أَهرائي.

وأُعْلِنُ ما كانَ خَفِيًّا مُنذُ إِنشاءِ العالَم - متى ١٣: ٢٤-٤٣

مَثَل حبّة الخردل

٣١وضَرَبَ لَهم مَثَلًا آخَرَ قال: «مَثَلُ مَلَكوتِ السَّمَوات كَمَثَلِ حَبَّةِ خَردَل أَخذَها رَجُلٌ فَزرعَها في حَقلِه. ٣٢هِيَ أَصغَرُ البُزورِ كُلِّها، فإِذا نَمَت كانَت أَكبَرَ البُقول، بل صارَت شَجَرَةً حتَّى إِنَّ طُيورَ السَّماءِ تَأتي فتُعَشِّشُ في أَغصانِها.

مَثَل الخميرة

٣٣وأَورَدَ لَهم مَثَلًا آخَرَ قال: «مَثَلُ مَلَكوتِ السَّمواتِ كَمَثلِ خَميرةٍ أَخَذَتها امرأَةٌ، فجَعَلتها في ثَلاثَةِ مَكاييلَ مِنَ الدَّقيق حتَّى ٱختَمَرت كُلُّها.

٣٤هٰذا كُلُّه قالَه يسوعُ لِلجُموعِ بِالأَمثال، ولَم يَقُلْ لَهُم شَيئًا مِن دونِ مَثَل، ٣٥لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيّ:

"أَتَكَلَّمُ بِالأَمثال، وأُعْلِنُ ما كانَ خَفِيًّا مُنذُ إِنشاءِ العالَم.

تفسير مثل الزؤان

٣٦ثُمَّ تَرَكَ الجُموعَ ورَجَعَ إِلى البَيت. فدَنا مِنه تَلاميذُه وقالوا له: «فَسِّرْ لَنا مثَلَ زُؤانِ الحَقْل». ٣٧فأَجابَهم: «الَّذي يَزرَعُ الزَّرْعَ الطَّيِّبَ هو ابنُ الإِنسان، ٣٨والحَقْلُ هو العالَم والزَّرْعُ الطَّيِّبُ بَنُو المَلَكوت، والزُّؤانُ بَنُو الشِّرِّير، ٣٩والعَدُوُّ الَّذي زَرَعَه هو إِبليس، والحَصادُ هوَ نِهايَةُ العالَم، والحَصَّادونَ هُمُ المَلائِكة. ٤٠فكما أَنَّ الزُّؤانَ يُجمَعُ ويُحرَقُ في النَّار، فكذٰلك يكونُ عِندَ نِهايَةِ العالَم: ٤١يُرسِلُ ابنُ الإِنسانِ مَلائكتَه، فَيَجْمَعونَ مُسَبِّبي العَثَراتِ والأَثَمَةَ كافَّةً، فيُخرِجونَهم مِن مَلَكوتِه، ٤٢ويَقذِفونَ بِهم في أَتُّونِ النَّار، فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان. ٤٣والصِّدِّيقونَ يُشِعُّونَ حِينَئذٍ كالشَّمْسِ في مَلَكوتِ أَبيهِم. فمَن كانَ له أُذُنان فَلْيَسْمَعْ!

الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/ فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران، واشتدت الحرب على جنوب لبنان. وقالوا أمس، الاثنين، ١٥/٦/٢٠٢٦ وقعنا على اتفاق وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. لكن من يدري ما قيمته؟ وجنوب لبنان ليس فيه، والموت مستمر في غزة، والدمار من المستوطنين في كل قرى الضفة مستمر.

"مِنَ السَّماءِ أَسَمعتَ حُكمًا، فخافَتِ الأَرضُ وسَكَنَت" (مزمور ٧٦: ٩). ارحمنا، يا رب. يا رب، أنت ديان الأرض والذين فيها. أيها الرب الإله القوي القدوس القدير، أسمِع حكمك، أسمِع سلامك. لِتَخَفْ الأرض، وليهرب أهل الحرب ويوقفوا أعمال الموت والدمار. ليحترموا الإنسان الذي خلقته، مِلكًا لك، لا عبدًا لأحد. نجِّنا من الشرير، نجِّنا من الأرواح الشريرة أرواح الحرب. لقد تعبنا يا رب. انظر إلينا وارحمنا.

إنجيل اليوم

٢٤وضرَبَ لَهم مَثَلًا آخَرَ قال: «مَثَلُ مَلَكوتِ السَّمَواتِ كَمَثلِ رَجُلٍ زَرَعَ زَرْعًا طَيِّبًا في حَقْلِه. ٢٥وبَينما النَّاسُ نائمون، جاءَ عَدوُّه فزَرعَ بَعدَه بينَ القَمحِ زُؤانًا وانْصَرَف. ٢٦فلَمَّا نَمى النَّبْتُ وأَخرَجَ سُنبُلَه، ظَهَرَ معَه الزُّؤان. ٢٧فجاءَ رَبَّ البَيتِ خَدَمُه وقالوا له: «يا رَبّ، أَلَم تَزرَعْ زَرْعًا طَيِّبًا في حَقلِكَ؟ فمِن أَينَ جاءَهُ الزُّؤان؟» ٢٨فقالَ لَهم: «أَحَدُ الأَعداءِ فَعَلَ ذٰلك». فقالَ له الخَدَم: «أَفَتُريدُ أَن نَذهَبَ فنَجمَعَه؟» ٢٩فقال: «لا، مَخافَةَ أَن تَقلَعوا القَمْحَ وأَنتُم تَجمَعونَ الزُّؤان، ٣٠فَدَعوهما يَنبُتانِ معًا إِلى يَومِ الحَصاد، حتَّى إِذا أَتى وَقْتُ الحَصاد، أَقولُ لِلحَصَّادين:اجمَعوا الزُّؤانَ أَوَّلًا واربِطوه حُزَمًا لِيُحرَق. وأَمَّا القَمْح فَاجمَعوه وَأتوا بِه إِلى أَهرائي" (٢٤-٣٠).

نؤمن بالله. الأرض كلها، الإنسانية كلها، هي الحقل الذي يزرع الله فيه حَبُّ الحنطة الجيدة. الله يزرع الخير في كل إنسان. وكل إنسان بما أنه خَلْقُ الله فهو يقدر أن يكون صالحًا.

من أين يأتي الشر؟ من عدو، من روح شرير، من الشيطان أبي الكذب والخطيئة، عدو الله. الله خلق الإنسان صالحًا على صورته قادرًا لأن يعمل الخير. ورفعه الله فجعله حرًّا مثله. لكن، بحريته صار الإنسان ضعيفًا، له هموم، يتعب ويقع ويختار الشر بدل الخير لنفسه ولغيره.

هذا الإنسان الضعيف هو الزؤان بين الحنطة كما ورد في المثل. قال الخدم لرب الحقل: «يا رَبّ، أَلَم تَزرَعْ زَرْعًا طَيِّبًا في حَقلِكَ؟ فمِن أَينَ جاءَهُ الزُّؤان؟» ٢٨فقالَ لَهم: «أَحَدُ الأَعداءِ فَعَلَ ذٰلك». فقالَ له الخَدَم: «أَفَتُريدُ أَن نَذهَبَ فنَجمَعَه؟"؟ الناس متسرِّعون، لا يصبرون بمثل صبر الله ولا بحكمة الله. يوجد شر؟ فيريدون اقتلاعه فورًا. تصيبهم شدة؟ فلا يصبون. عدو الله؟ يجب مقاومته. لكن بملاحظتين: أولا بصبر الله وحكمته، الله الآب لا يسرع فيقتلع فإنه يصبر وينتظر عودة الخاطئ حتى يتوب. وثانيًا، باحترام كل إنسان، حتى الخاطئ، فلا يحكم ولا يتهم. بل ينتظر ويدقق، ويتريث، ثم يصلح أخاه.

الله يترك الناس يعملون تاريخهم، يتركهم في حروبهم، ويرسل مطره وشمسه للجميع. وفي الوقت المحدد يعطي نعمته لاقتلاع الشر ويحكم على الخاطئ.

اصبروا بمثل صبر الله وحبه، فهو في الوقت الذي يريده يأمر باقتلاع الزؤان... أخوك إذا أساء في عمله، أصلحه، في الوقت المناسب، وبطرق الله أي طرق الحياة، ولا تلجأ أبدًا إلى طرق الموت.

"فَدَعوهما يَنبُتانِ معًا إِلى يَومِ الحَصاد" (٣٠).

هذا هو تاريخنا البشري. الخير والشر فيه يختلطان، ويتعاركان. ونحن جزء من معركة البشرية، والله الصابر يسهر، وفي اليوم الذي حدده، يتدخل ويأمر الحصادين ليبدأوا الحصاد: "فَدَعوهما يَنبُتانِ معًا إِلى يَومِ الحَصاد، حتَّى إِذا أَتى وَقْتُ الحَصاد، أَقولُ لِلحَصَّادين: اجمَعوا الزُّؤانَ أَوَّلًا واربِطوه حُزَمًا لِيُحرَق. وأَمَّا القَمْح فَاجمَعوه وَأتوا بِه إِلى أَهرائي" (٣٠).

أترك الشر الذي أراه ينمو بعينيَّ؟ أترك صانعي الحرب يَقتلون ويُدمِّرون كما يشاؤون؟

كلا، الله يسهر، ويتدخل ويعمل في الوقت الذي يعرفه هو. ونحن، مؤيَّدِين بصلاح الله، نعمل ما علينا أن نعمل، في كل وقت نعمل الخير، ونصلح أخانا إذا أخطأ، في كل لحظة نقاوم شر الناس، ونحن أكيدون أن الله معنا ما زلنا نعمل لصالح إخوتنا.

"فَدَعوهما يَنبُتانِ معًا إِلى يَومِ الحَصاد" (٣٠). لا تعني الآية أن لا نقاوم الشر، بل أن ننظر إلى الناس نظرة واحدة، إلى الأشرار والأبرار، بنظرة الله نفسها. لا تحتقر أحدًا، لا تحكم على أحد. وفي الوقت نفسه، أحبِبْ، مد يد العون في كل لحظة للجميع، اسعَ سعيَكَ، وجاهد الجهاد الحسن، وفي الوقت نفسه انتظر يوم الرب يوم يحكم هو ويعمل، يوم "يكَشف عَن شِدَّةِ ساعِدِه، فيشَتِّتَ المُتَكَبِّرينَ في قُلوبِهم. ويحَطَّ الأَقوِياءَ عنِ العُروش، ويَرفَع الوُضَعاء. وبُشبِع الجِياعَ مِنَ الخَيرات، والأَغنِياءُ يصَرِفُهم فارِغين" (لوقا ١: ٥١-٥٣).

ربي يسوع المسيح، خلقتنا صالحين على صورتك، وفي حقل الإنسانية تزرع حَبَّ القمح الجيد فقط. ونخن نجد أنفسنا في ساحة معركة بين الخير الذي تعطينا إياه والشر الذي في أنفسنا. أعطنا أن نجاهد لنبقى في الحقل ونكون حَبَّ القمح الجيّد، فنصبِرَ ونحِبَّ، بمِثلِ صبرِك وحبِّك آمين.

الأحد ١٩/٧/٢٠٢٦           الأحد السادس عشر من السنة