مَن لم يَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني، فلَيسَ أَهْلًا لي - متى ١٠: ٣٤-١١: ١
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، البطريرك الأسبق للّاتين في القدس
٣٤ لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئتُ لِأَحمِلَ السَّلامَ إِلى الأَرض، ما جِئتُ لِأَحمِلَ سَلامًا، بل سَيفًا: ٣٥جِئْتُ لِأُفَرِّقَ بَينَ المَرءِ وأَبيه والبِنْتِ وأُمِّها، والكَنَّةِ وحَماتِها. ٣٦فيكونُ أَعداءَ الإِنسانِ أَهلُ بَيتِه. ٣٧ مَن كانَ أَبوه أَو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنِّي، فلَيسَ أَهْلًا لي. ومَن كانَ ابنُه أَوِ ابنَتُه أَحَبَّ إِلَيه مِنِّي، فلَيسَ أَهْلًا لي. ٣٨ومَن لم يَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني، فلَيسَ أَهْلًا لي. ٣٩مَن حَفِظَ حَياتَه يَفقِدُها، ومَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها. ٤٠مَن قَبِلَكم قَبِلَني أَنا، ومَن قَبِلَني قَبِلَ الَّذي أَرسَلَني. ٤١مَن قَبِلَ نَبِيًّا لِأَنَّه نَبِيٌّ فَأَجرَ نَبِيٍّ يَنال، ومَن قَبِلَ صِدِّيقًا لِأَنَّه صِدِّيقٌ فَأَجرَ صِدِّيقٍ يَنال، ٤٢ومَن سَقى أَحَدَ هٰؤلاءِ الصِّغارِ، وَلَو كَأسَ ماءٍ بارِدٍ لِأَنَّه تِلميذ، فالحقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ أَجرَه لن يَضيع. ١ولَمَّا أَتمَّ يسوعُ وَصاياه لِتَلاميذِه الِاثنَي عَشَر، ذهَبَ مِن هُناكَ لِيُعَلِّمَ ويُبَشِّرَ في مُدُنِهم.
الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/ فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران، واشتدت الحرب على جنوب لبنان. وقالوا أمس، الاثنين، ١٥/٦/٢٠٢٦ وقعنا على اتفاق وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. لكن من يدري ما قيمته؟ وجنوب لبنان ليس فيه، والموت مستمر في غزة، والدمار من المستوطنين في كل قرى الضفة مستمر.
"لِماذا تَكُفُّ يَدَكَ، وتَبْقى مُحتَضِنًا يَمينَكَ؟" (مزمور ٧٤: ١١). ارحمنا، يا رب. أظهر قدرتك، يا رب، لِيَرَ البشر ضعفهم، أنهم خليقتك، وأنت القدير. ليعترفوا بك ربَّ الأرض والسماء، أنت الإله الصالح الرحيم. ربنا، أبانا، إننا معذَّبون. أهل الحرب جعلوا الحياة لنا لا تطاق. انظر إلينا، ربنا، أنت أبونا، نجِّنا من الحرب ومن الاحتلال العسكري ومن ظلم الناس. أنت أبونا يا رب، استمع لصلاتنا واستجب لنا.
"لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئتُ لِأَحمِلَ السَّلامَ إِلى الأَرض، ما جِئتُ لِأَحمِلَ سَلامًا، بل سَيفًا: ٣٥جِئْتُ لِأُفَرِّقَ بَينَ المَرءِ وأَبيه والبِنْتِ وأُمِّها، والكَنَّةِ وحَماتِها. ٣٦فيكونُ أَعداءَ الإِنسانِ أَهلُ بَيتِه" (٣٤-٣٦).
السلام الذي ليس بسلام، يسوع لم يأتِ ليحمله إلى العالم. السلام القائم على سفك الدماء، وظلم الشعوب، وظلم شعب لشعب. السلام المبني على العنف والدماء، والقتل والتدمير، وجمع الأسرى بالآلاف... السلام الذي لا يرى صورة الله في الناس، بل يريد أن يرى فيهم أعداء.
سلام يسوع المسيح ليس السلام القائم على حق الأقوى وعلى العنف والدم.
سلام يسوع المسيح مؤسس على المحبة التي ترى في جميع الناس خليقة الله، على صورة الله، وإخوة، متحابين، متضامنين، يتقاسمون خيرات الأرض بالتساوي.
جاء يسوع المسيح ليخلق العالم من جديد، فيصالح العالم مع الله خالقه، ويصالح البشر كل واحد مع أخيه. جاء يخلق إنسانية لا يُسحَقُ فيها شعب، ولا يُقهَر، ولا يستقوي أي شعب فيستبد ويلجأ إلى العنف ويظن أنه يقدر أن يُخضِع شعبًا آخر لقوته.
سلام يسوع المسيح يبني إنسانية مؤسسة على الحب، على الوصية الأولى والوحيدة التي أعطاها الله الخالق لخليقته: أحبب الرب إلهك، وأحبِبْ قريبك حبك لنفسك. كلنا أبناء الله، كلنا إخوة وأخوات.

"ما جِئتُ لِأَحمِلَ سَلامًا، بل سَيفًا."
السيف للذين يظنون أنهم أسياد على غيرهم ويقدرون أن يُضَحّوا بحياة غيرهم حتى يضمنوا حياة أنفسهم. سيف يسوع المسيح يدمِّر السلام الذي ليس بسلام، يدمِّر الهدوء الذي يشبه الموت، يدمِّر كل سلام مبني على الظلم، واحتلال الشعوب، والعبودية والاستعمار. كل هذه شرور جاء يسوع المسيح ليحررنا منها. وسيف يسوع المسيح المحرِّر يدمِّر الظلم ولا يصطبغ بالدماء، وليس الموت طريقه. طريق الله واحد وهو الحب. بالحب يعيد الحياة إلى الإنسان. حتى يوقف سلطان الموت، رضِيَ هو بالموت، وقهر الموت وقام من بين الأموات، حتى لا يفرض ظالمٌ الموت على أخيه من بعد. قال الله: طرقي ليست طرقكم. طرقه طرق المحبة. وطرقنا وطرق حروبنا هي طرق الموت.
الله يقول: أحببت وخلقت، وأحِبُّ كلَّ خَلقي. وأرسِلُ مطري وشمسي إلى جميع أبنائي، إلى الأبرار والأشرار. لكن هناك يوم للدينونة، في نهاية الحياة، أو في أثناء الحياة، في هذه الأرض نفسها. كل واحد يذوق ثمر أعماله، الحياة أو الموت، بحسب أنواع الموت على الأرض.
الخاطئ يجد منطقيا نتيجة خطيئته. إن طلب الموت لإخوته، ملأ الموتُ حياته، وفي النهاية سيفترسه الموت. إن ظلَمَ هو أخاه، سيظلم نفسه. خطيئة نفسها ترتَدُّ عليه. لأن الشر يلد الشر.
سيف يسوع ينتقم للأبرياء. الله صالح وقدير ومُحِبٌّ للبشر. وينتظر رجوع كل أبنائه إليه.
سلام يسوع المسيح يفصل؟ "جِئْتُ لِأُفَرِّقَ بَينَ المَرءِ وأَبيه والبِنْتِ وأُمِّها، والكَنَّةِ وحَماتِها" (٣٥).
سلام يفصل، لأنه مبني على الحقيقة، والنور. مع يسوع المسيح لا بد من الاختيار، من ليس معي فهو عليَّ. إما حُرٌّ ساجد لله، وإما عيدٌ مقيَّدٌ بشَرّ الخليقة.
ربي يسوع المسيح، علِّمني أن أحيا في سلامك، وفي وصية المحبة. علِّمني كيف أنتصر على حروب الناس بوصية المحبة. أنت الوحيد، يا رب، تغلب. علِّمْنا، يا رب، وكن مع كل طالب سلام. آمين
الاثنين ١٣/٧/٢٠٢٦ بعد الأحد الخامس عشر من السنة







