لِنَعْرِفْ إِيمَانَنَا: كيف وصلت إلينا كلمة الله؟
الكاتب : الأب رامز طوال – كاهن رعية القديس يوسف للاتين في شفاعمرو ومرشد الشبيبة في الجليل
من أجمل الأسئلة التي يمكن أن يطرحها المؤمن على نفسه: كيف وصلت إلينا كلمة الله؟ قد يجيب البعض ببساطة: "من خلال الكتاب المقدس". وهذه إجابة صحيحة، لكنها لا تكشف جمال القصة كلها. فالله، في محبته اللامتناهية للإنسان، لم يشأ أن يسلّم كلمته إلى صفحات كتاب فحسب، بل شاء أن يودعها في جماعةٍ مؤمنة، يقودها بروحه القدوس، لتبقى هذه الكلمة حيّة، تُعلَن، وتُعاش، وتُنقَل بأمانة من جيل إلى جيل. إنها ليست قصة كتاب فحسب، بل قصة الله الذي دخل تاريخ الإنسان، وأقام معه عهدًا، وقاده إلى الخلاص.
الله هو المبادر الذي بدأ بالكلام
لا يبدأ الإيمان المسيحي بكتاب، بل بالله الذي أحب الإنسان، وأراد أن يكشف له ذاته، ويدعوه إلى شركة الحياة معه.
فمنذ دعوة إبراهيم، ومرورًا بموسى والأنبياء، لم يتوقف الله عن مخاطبة شعبه، إلى أن جاء ملء الزمان، فأرسل ابنه الوحيد، يسوع المسيح، كلمة الله المتجسِّد، الذي «صار جسدًا وسكن بيننا» (يو 1: 14).
ولهذا تؤمن الكنيسة الكاثوليكية بأن يسوع المسيح ليس مجرد معلّم نقل رسالة الله، بل هو الإعلان الكامل والنهائي للآب. ففي شخصه كشف الله ذاته كشفًا كاملًا، وقال للبشر كل ما أراد أن يقوله من أجل خلاصهم.
ومن هنا تعلّم الكنيسة أن الوحي الإلهي قد بلغ كماله في شخص يسوع المسيح، واكتمل بانتهاء العصر الرسولي. لذلك لا تنتظر الكنيسة وحيًا جديدًا يضيف شيئًا إلى وديعة الإيمان، لأن الله قد أعلن في ابنه كل ما يلزم لخلاص الإنسان.

يسوع لم يكتب كتابًا... بل أقام كنيسته
عندما نتأمل في صفحات الانجيل المقدس، نكتشف حقيقة تستحق التأمل.
فالمسيح لم يجلس ليكتب كتابًا، ولم يسلّم تلاميذه مخطوطةً يحفظونها، بل دعاهم ليتبعوه، وعاش بينهم، وعلّمهم، وكشف لهم أسرار ملكوت الله، وأقام كنيسته، ثم أرسل الرسل إلى العالم قائلًا: "فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر". (متى 28: 19-20).
لقد سلّمهم حياته قبل أن يسلّمهم الكلمات، وأوكل إليهم رسالةً قبل أن يترك لهم أسفارًا مكتوبة.
وهنا نكتشف حقيقة أساسية في الإيمان المسيحي:
فالمسيحية، منذ بدايتها، كانت لقاءً حيًّا مع شخص يسوع المسيح، قبل أن تكون قراءة كتاب.
فالكتاب المقدس يشهد للمسيح ويقود إليه، لكن الإيمان المسيحي يقوم أولًا على العلاقة بالرب القائم، الذي لا يزال حاضرًا في كنيسته بقوة الروح القدس.
قبل أن تُكتب الأناجيل، كانت الكنيسة تعيش الإنجيل.
مرت سنوات بعد قيامة الرب وصعوده إلى السماء قبل أن تُكتب معظم أسفار العهد الجديد. ومع ذلك، لم تكن الكنيسة في انتظار كتاب حتى تؤمن أو تبشّر.
كان الرسل يعلنون ما رأوه وسمعوه، ويشهدون للمسيح الذي قام من بين الأموات، وكانت الجماعات المسيحية تجتمع للصلاة، وسماع تعليم الرسل، وكسر الخبز، وخدمة المحتاجين. ويصف سفر أعمال الرسل حياة الكنيسة الأولى بهذه الكلمات: " وكانوا يواظبون على تعليم الرسل، والشركة، وكسر الخبز، والصلوات". ( أعمال الرسل 42:2)
لقد عاش المؤمنون الإنجيل أولًا، قبل أن تُدوَّن أسفار العهد الجديد.
وفي حضن الكنيسة الرسولية، أوحى الروح القدس إلى الكتّاب الملهمين أن يدوّنوا الأسفار المقدسة، فصار ما عاشته الكنيسة الأولى شهادةً مكتوبةً لحياة المسيح وتعليمه، تنتقل بأمانة إلى جميع الأجيال.
وهذا يكشف حقيقةً مهمّة: فالكتاب المقدس لم ينزل من السماء كتابًا مكتملًا، بل أوحى الله به في قلب الكنيسة الرسولية، ليبقى شهادةً أمينةً للمسيح، ويقود كل جيل إلى لقائه.
كيف وُلد الكتاب المقدس؟
عندما نمسك اليوم بالكتاب المقدس، قد ننسى أنه ثمرة مسيرة طويلة من عمل الله في تاريخ الخلاص.
فقد كُتبت أسفار الكتاب المقدس في أزمنة مختلفة، وعلى يد كتّاب متعدّدين، لكن الروح القدس أوحى بها جميعًا، فكانت كلمة الله مكتوبةً بلغة البشر. وقد حفظت الكنيسة هذه الأسفار، وتلتها في الليتورجيا، ونسختها، ونقلتها من جيل إلى جيل، حتى اعترفت، بإرشاد الروح القدس، بالأسفار الموحى بها، وميّزتها من بين كتابات أخرى كانت متداولة في القرون الأولى.
ولم تمنح الكنيسة هذه الأسفار سلطانها، بل اعترفت بما أوحى به الروح القدس منذ البداية، وحفظته بأمانة في حياتها وعبادتها.
إن هذا لا يُنقص من قيمة الكتاب المقدس، بل يكشف عناية الله الفائقة بكلمته، حتى تصل إلينا كاملةً وأمينةً عبر الأجيال.

التقليد المقدس... ذاكرة الكنيسة الحيّة
عندما تتحدث الكنيسة عن التقليد المقدس، فهي لا تقصد العادات أو التقاليد البشرية التي قد تتغير مع مرور الزمن، بل تقصد الحياة الرسولية التي تسلّمتها من المسيح، وعاشها الرسل، ونقلوها إلى الكنيسة بقوة الروح القدس.
فالتقليد المقدس ليس مجموعة معلومات أُضيفت إلى الكتاب المقدس، ولا تعاليم ظهرت بعده، بل هو انتقال الإيمان الرسولي نفسه، كما عاشه الرسل وعلّموه واحتفلوا به وسلّموه إلى الكنيسة.
ولهذا يوصي القديس بولس المؤمنين قائلًا: "فاثبتوا إذًا، أيها الإخوة، وتمسّكوا بالتعاليم التي تعلّمتموها، سواء أكان ذلك بكلامنا أم برسالتنا."
(تسالونيكي 2: 15:2)
إنها صورة جميلة لوحدة الرسالة: كلمة أُعلنت شفهيًا، وكلمة دُوّنت كتابةً، ومصدرهما واحد، هو يسوع المسيح.
الكتاب المقدس والتقليد... نبع واحد
قد يظن البعض أن الكتاب المقدس والتقليد المقدس طريقان مختلفان، لكن الكنيسة تعلّم أنهما يصدران من نبع إلهي واحد.
فالروح القدس نفسه الذي أوحى بالأسفار المقدسة هو الذي حفظ تعليم الرسل حيًّا في الكنيسة، ولذلك لا يمكن الفصل بين الكتاب المقدس والتقليد، ولا وضع أحدهما في مواجهة الآخر.
ويعلّم الدستور العقائدي في الوحي الإلهي (Dei Verbum) أن الكتاب المقدس والتقليد المقدس "يصدران من ينبوع إلهي واحد، ويؤلفان، على نحوٍ ما، شيئًا واحدًا، ويتجهان إلى الغاية نفسها".
ولهذا يشكّلان معًا وديعة كلمة الله التي أُوكلت إلى الكنيسة لتحفظها بأمانة، وتعلنها لجميع الشعوب.
إنهما لا يتنافسان، ولا يكمل أحدهما نقص الآخر، بل يشهدان معًا للمسيح، ويقودان المؤمن إلى اللقاء به.
الكنيسة... ليست فوق كلمة الله، بل في خدمتها
من المهم أن ندرك أن الكنيسة لا تقف فوق كلمة الله، ولا تتصرف وكأنها مالكتها، ولا تضيف إليها وحيًا جديدًا.
فرسالتها هي أن تُصغي إلى كلمة الله، وتحفظها، وتفسّرها بأمانة، وتخدمها، حتى تبقى نقية كما سلّمها المسيح إلى رسله. ولهذا يعلّم المجمع الفاتيكاني الثاني أن السلطة التعليمية في الكنيسة ليست فوق كلمة الله، بل في خدمتها، فلا تعلّم إلا ما تسلّمته، وتصغي إلى الكلمة بخشوع، وتحفظها بأمانة، وتشرحها بسلطان الخدمة الذي أوكله إليها المسيح.
ولهذا وصف القديس بولس الكنيسة بأنها: "كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته". (تيموثاوس 1 15:3)
فالكنيسة ليست بديلًا عن كلمة الله، بل هي الجماعة التي ائتمنها المسيح على حفظها، وإعلانها، والعيش بها، حتى يبقى الإنجيل حيًّا في كل زمان ومكان.
الليتورجيا... حيث تصبح الكلمة حياة
لعل أجمل مكان نكتشف فيه العلاقة العميقة بين الكتاب المقدس والكنيسة هو الاحتفال بالقداس الإلهي.
ففي كل إفخارستيا، نصغي إلى قراءات من العهد القديم، والمزامير، ورسائل الرسل، ثم إلى الإنجيل المقدس، حيث يخاطب المسيح شعبه بكلمته. وبعد ذلك، تشرح الكنيسة هذه الكلمة في العظة، لتقود المؤمنين إلى الاحتفال بسرّ الإفخارستيا، حيث يلتقون بالرب الحاضر في وسطهم.
ولهذا تعلّم الكنيسة أن المسيح حاضر في كلمته، لأنه هو نفسه الذي يتكلم عندما تُقرأ الأسفار المقدسة في الكنيسة.
فالكتاب المقدس، في قلب الليتورجيا، ليس مجرد نص يُقرأ من أجل المعرفة، بل هو كلمة حيّة تدعو إلى الإيمان، وتقود إلى التوبة، وتغذّي الحياة المسيحية، وتُعدّ المؤمنين للاتحاد بالمسيح في سرّ الإفخارستيا.
ولهذا لم يكن آباء الكنيسة يقولون إننا "نقرأ" الكتاب المقدس فحسب، بل إننا نصغي إلى الله الذي لا يزال يتكلم إلى شعبه.
كلمة الله بين أيدينا اليوم
عندما تفتح الكتاب المقدس في بيتك، أو تسمع الإنجيل في الكنيسة، تذكّر أنك تدخل في مسيرة إيمان تمتد عبر القرون.
إنها الكلمة نفسها التي سمعها الرسل من فم يسوع، والتي أوحى بها الروح القدس إلى الكتّاب الملهمين، وحفظتها الكنيسة، واحتفلت بها في ليتورجيتها، وفسّرتها بأمانة، وسلّمتها من جيل إلى جيل، حتى وصلت إليك بلغتك، وفي زمانك.
يا لها من عطية عظيمة!
فالله لم يترك أبناءه وحدهم في مسيرة الإيمان، بل منحهم كلمته، وأقام الكنيسة، لتكون أمينة على هذه الكلمة، وتحفظها، وتعلنها، وتقود المؤمنين إلى اللقاء بالمسيح الحي.
خاتمة
كلما دخلنا الكنيسة يوم الأحد، ورأينا الإنجيل يُحمَل في الموكب ويُتلى في وسط الجماعة، فلنتذكر أننا لا نقف أمام كتاب عظيم فحسب، بل أمام كلمة الله الحيّة التي عبرت القرون دون أن تفقد قوتها.
لقد شاء الرب أن تصل إلينا هذه الكلمة من خلال الرسل، وأن يحفظها الروح القدس في حياة الكنيسة، حتى نلتقي اليوم بالمسيح نفسه، ونسمع صوته كما سمعه التلاميذ أول مرة على شواطئ الجليل.
ولهذا تحب الكنيسة الكاثوليكية الكتاب المقدس حبًا عظيمًا، وتدعو أبناءها إلى قراءته كل يوم، والتأمل فيه، والصلاة به، والاحتفال به في الليتورجيا، لأنها تؤمن أن كلمة الله ليست مجرد صفحات تُقرأ، بل هي كلمة الله الحيّة التي تقود الإنسان إلى لقاء يسوع المسيح، كلمة الآب المتجسّد، والطريق والحق والحياة.

يا مريم العذراء، يا سيدة البشارة، علّمينا أن نصغي إلى كلمة الله بقلبٍ مؤمن، وأن نحفظها ونعيشها بأمانة، حتى تقودنا دائمًا إلى ابنكِ يسوع المسيح، كلمة الآب المتجسّد. صلّي لأجلنا. آمين.
إشارات:
للمزيد من القراءة: يعتمد هذا المقال على التعليم الرسمي للكنيسة الكاثوليكية، ولا سيما:
المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي في الوحي الإلهي "الكلمة الإلهية" (Dei Verbum)، الأعداد 2-10، 21.
التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، الأعداد 74-100.
المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور في الليتورجيا المقدسة (Sacrosanctum Concilium)، العدد 7.






