قراءة ليست مقتصرة على كتاب "نكبة نصارى الشام"(1) فالنكبة مستمرّة في ظلّ عدم الاعتراف بمواطنة المسيحيين

الكاتب : زياد شليوط – رئيس تحرير موقع "القيامة"

تقديم في مسألة اختيار الكتاب وأنا أبحث بين رفوف مكتبة عامة بحثا عن كتاب يثيرني أو يدعوني لأن أقتنيه وأقرأه، وقعت عيناي على كتاب فاجأني وأثارني عنوانه الرئيس: " نكبة نصارى الشام" وتبعه عنوان ثانوي على الغلاف: "أهل ذمة السلطنة وانتفاضة 1860" للمؤلف سامي مروان مبيّض. وقفت أمام الكتاب محتارا ومفكرا. فالحقيقة التي سبق وصدمت بها مما حملته الينا الأخبار وما شاهدته من مناظر عبر وسائل التواصل في سوريا في الفترة الأخيرة، يندى لها الجبين، بعد نجاح المؤامرة الكونية على نظام الأسد، وتنصيب قطّاع الطرق والمجرمين حكاما على دمشق، وسط تهليل قطاعات كبيرة من أبناء الشعب السوري للأسف، الذين صدمتني سلوكياتهم وخاصة ما ارتكبوه من فظائع بحق بعضهم البعض، وتساءلت هل يمكن لهذا الكتاب أن يساعدني في فهم بعض ما نشهده من عداوات وأحقاد داخلية، وهل يمكنه أن يوضح أسباب تلك الصراعات والأحقاد بين السوريين؟

قراءة ليست مقتصرة على كتاب "نكبة نصارى الشام"(1) فالنكبة مستمرّة في ظلّ عدم الاعتراف بمواطنة المسيحيين

مجزرة في باب توما تتحطم على أبوابها الوحدة الوطنية

كان من الطبيعي قبل أن أقبل على قراءة الكتاب أن أتعرف اليه والى مضمونه، فقرأت في التظهير، ما يلي: "يتناول هذا الكتاب تلك المجزرة الرهيبة التي حصلت في منطقة باب توما". هل يتحدث الكتاب عما تمرّ به دمشق في المدة الأخيرة وما تعرّض له باب توما من تفجير لكنيسة، واعتداء على أبناء الحي في مظاهرة لهم قبل أشهر؟ تابعت العبارة "وبعض حارات القيمرية في صيف 1860". والتي حصدت أرواح 5 آلاف مسيحي على مدى أسبوع كامل. يا للهول! ما هذا الذي أقرأه، اذن فالاعتداءات الطائفية ليست جديدة، وليست حالة طارئة أو شاذة؟ ومن شدة سذاجة المؤلف ما أشار إليه في نهاية التظهير، الى أنه لا يهدف الى نبش الماضي من إحياء هذا التاريخ المنسي، أو المعتم عليه انما "لنتعلم منه، أملا في ألا يُعاد أبدا". واذا علمنا أن هذا الكلام جاء مع الطبعة الأولى للكتاب عام 2021، وما وقع في العامين الأخيرين في سوريا، يدل على أن أحدا لم يتعلم، لأن من يقوم بمثل تلك الاعتداءات انما هم من الأميين والجهّال الذين لا يقرأون واذا قرأوا لا يفهمون.

صورة الغلاف تعود لأحد أحياء دمشق القديمة منذ العام 1920. ويحمل الغلاف اسم المؤلف الثلاثي: سامي مروان مبيّض، وهو كاتب ومؤرخ ورئيس مجلس أمناء "مؤسسة تاريخ دمشق"، وصدرت له عدة مؤلفات كما جاء في نهاية الكتاب.

ولدى قراءة مقدمة المؤلف نكتشف أن ما جاء في تظهير الكتاب انما هو جزء بسيط من المقدمة.  ونفهم أن هذه المجزرة أطلق عليها تسمية غريبة ومشوهة: "طوشة النصارى". وهي تسمية مغلوطة ولدينا منها ما هو مشابه من تسميات أعرض عن الحديث عنها في هذا المقام. والهدف الأول هو التعتيم والتجاهل لهكذا موبقات يندى لها الجبين، "حاول السوريون، بكل طوائفهم وخلفياتهم السياسية، التعتيم على هذه الحقبة المظلمة من تاريخهم الحديث"(2).

الشائعات وقود المجازر الطائفية في المجتمعات الجاهلة المتعصّبة

ربما يعتبر الفصل الأول الأهم برأيي والذي حمل عنوان: مذبحة دمشق. ففيه نتعرف على هذه المذبحة التي لم أسمع بها من قبل مما يؤكد ما ذهب اليه المؤلف. وملخص المذبحة انها وقعت في حي باب توما المسيحي خاصة وأحياء أخرى، وابتدأت يوم 7 تموز عام 1860 بالدخول الى الحي واستفزاز الأهالي واثارة مشاعرهم الدينية، ثم تم احراق الكنائس وقتل الأهالي والاعتداء على البيوت، ووفق الوصف فان ما جرى هو مجزرة بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالات، فتم قتل كهنة وراهبات، تدنيس دور العبادة من كنائس وأديرة، اعتداءات فظيعة واغتصابات وسرقات واضرام النّار في البيوت.

ويعود سبب هذه المجزرة الى مجزرة أخرى جرت في لبنان قتل فيها عدد من المسيحيين وأقل منه من الدروز، وقدوم عدد من العائلات المسيحية الى دمشق، الى جانب أسباب اقتصادية منها سيطرة المسيحيين والدروز على تجارة الحرير وتراجع تأثير التجار المسلمين. وهنا لعبت الاشاعات دورها الخبيث، وهذا لمسناه في أكثر من مكان، وأدت الى خلافات دموية أحيانا. "وكان الدمشقيون، بكل أسف، على أتم استعداد نفسيا ومعنويا، لتقبل أي إشاعة كانت تصلهم وتصديقها، ولو كان مصدرها مبهما أو مجهولا..."(3). أليس هذا ما يحصل في كل مكان تسود فيه العصبية وينتشر فيه الجهل؟

التقاء المصالح بين الأطراف الداخلية والخارجية مصدر تغذية للمجازر

في الفصول التالية يعود المؤلف ليبيّن خلفيات مجزرة العام 1860 وعوامل تنفيذها، حيث يروي لنا في الفصل الثالث عن فتح دمشق والسيطرة عليها من قبل إبراهيم باشا في العام 1832، الذي قام برفع القيود المفروضة على المسيحيين ورفع الضرائب عن الكنائس، كما تأسست في عهده أول بطريركية مستقلة للروم الكاثوليك، وعُيّن مسيحيّ كاثوليكيّ من حمص لإدارة بيت المال في دمشق، وعامل المسيحيين بمساواة مع المسلمين. هذا جعل بعض المسيحيين يشعرون بقوة نفوذهم، فصدرت عن البعض سلوكيات شاذة مما أغضب المسلمين ونتج عن ذلك بعض الاحتكاكات بين الطرفين، إضافة إلى سماحه بفتح الخمارات بباب توما وباب شرقي (ما أشبه اليوم بالبارحة)، وهكذا يسجل الكاتب بأن فترة حكم إبراهيم باشا كان لها تأثير على المجزرة ضد المسيحيين.

بعد انسحاب إبراهيم باشا عاد الوالي العثماني ليحكم دمشق فشكل مجلس ولاية دمشق استثنى منه المسيحيين واليهود. فقام المجلس بإلغاء جميع الامتيازات للمسيحيين الذين حظوا بمكانة خاصة أيام إبراهيم باشا. وبقي الحال بين ضيق وانفراج نسبي، وأخذت الأمور تشهد هدوءا نسبيا، ووصل أوجه في ظل حكم "حزب البعث" الذي شهد حركة عمران كنسي وحرية عبادة للمسيحيين، وكانت فترة حكم الرئيس السابق حافظ الأسد الأفضل في هذا الجانب.

يطرح الكاتب في ختام كتابه عددا من التساؤلات عن مسؤولية المجزرة، ويتوصل إلى بعض الاستنتاجات وهي معروفة وتعود على نفسها، فالأطراف ذات المصالح تعتبر مسؤولة منها الحكم العثماني البغيض، الدول الغربية ومكونات المجتمع المحلي، ويبقى المسؤول الأول أجهزة الدولة الحاكمة. ويبقى السؤال الأكبر: متى ستقوم الدول العربية بالاعتراف بالمسيحيين العرب، السكان الأصليين في البلاد بأهم مواطنون وليسوا أقلية أو رعاية؟ فهذا الاعتراف بشكل رسمي يشكل الضمانة الأولى لحماية المسيحيين واحترام وجودهم ودورهم في المجتمع والدولة.

إشارات:

  • نكبة نصارى الشام – أهل ذمة السلطنة وانتفاضة 1860، سامي مروان مبيّض، منشورات رياض الريس – بيروت، طبعة ثانية 2024
  • م. س ص 12
  • م.س ص 36