جريمة حمود في الكرك...

الكاتب : د. عاطف عبود - شفاعمرو

حين يستهدف التَّعصّب حرمة الحياة والعيش المشترك ببالغ الحزن والأسى، وبأَشدِّ عبارات الشَّجب والاستنكار، أُدين الجريمة النكراء التي استهدفت أبرياء خلال مراسم تشييع جنازة في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية، في مشهد مأساوي انتُهكت فيه حرمة الحياة، وامتدّت يد العنف والغدر إلى مكانٍ اجتمع فيه الناس للصلاة والوداع، فإذا بالحزن يتحوّل إلى فاجعة، والعزاء إلى مأساة. إنّ استهداف الأبرياء في لحظات الوداع والحزن عملٌ جبانٌ خسيس وحقير، يكشف عن انحدارٍ أخلاقيٍّ خطير، ويشكّل اعتداءً صارخًا على حرمة الإنسان وكرامته، وعلى القيم التي تحفظ للمجتمعات إنسانيتها وتماسكها.

جريمة حمود في الكرك...

إنّ هذه الجريمة المُروّعة لا تمسّ الضحايا وذويهم وحدهم، بل تطعن في صميم القيم الإنسانية والأخلاقية، وتكشف خطورة ثقافة الكراهية والتَّعصُّب والجهل التي تُسمِّم العقول، وتُغذِّي العنف، وتُهدِّد وحدة المجتمعات وتماسكها.

فالمسيحيون ليسوا غرباء عن أرض المشرق العربي، ولا طارئين على تاريخه، بل هم جزء أصيل من نسيجه الحضاري والإنساني، وشركاء في بناء أوطانه وصون هُوِيَّته وتُراثه. وما يصيبهم من اعتداء أو إقصاء إنما يصيب المجتمع بأسره، ويهدّد إرثًا طويلًا من التَّعدُّدية والتآخي والعيش المشترك.

وليس من الدِّين استباحة دماء الأبرياء باسمه، ولا من الإيمان اتخاذ الاختلاف في العقيدة ذريعةً للقتل والكراهية. فالعنف الذي يتستَّر بالدين يُسيء إلى جوهره وقيمه قبل أن يسيءَ إلى الآخرين، ويجب أن يتحمَّل مرتكبو هذه الجرائم المسؤولية الكاملة عن أفعالهم، وأن ينالوا أقصى العقوبات التي ينص عليها القانون، تحقيقًا للعدالة وإنصافًا للضحايا وصونًا لحق الإنسان في الحياة والأمان.

وفي هذا المصاب الأليم، تتردّد كلمات السيد المسيح في إنجيل متّى (24: 9): «حِينَئِذٍ يُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ضِيقٍ وَيَقْتُلُونَكُمْ، وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنْ جَمِيعِ الأُمَمِ لأَجْلِ اسْمِي».

إنّ إدانة هذه الجريمة، على ضرورتها، لا تكفي ما لم تقترن بكشف الحقيقة، وإحقاق العدالة، ومُحاسبة الجُناة وكلّ من يثبت تورّطه في التّحريض أو التَّمويل، إلى جانب مواجهة جذور التَّطرُّف، وتجفيف منابع الكراهية، وترسيخ ثقافة تحترم الإنسان وتصون حقّه في الحياة والكرامة، أيًّا كان دينه أو معتقده.

وأمام هذه الفاجعة، أتقدّم بخالص التَّعازي وصادق المواساة إلى عائلات الشّهداء الذين ارتقوا إلى جوار ربهم وأهالي قرية حمود والشَّعب الأردني الشَّقيق، سائلًا الله أن يتغمّد الضّحايا بواسع رحمته، وأن يُسكنهم في ملكوته السّماوي، وأن يُلهم أهلهم وذويهم ومجبيهم الصَّبر وخالص العزاء، ويمُنَّ على المُصابين بالشِّفاء العاجل.

فالأوطان لا تُبنى بالكراهية، ولا تُصان بإقصاء أبنائها، وإنما تقوم بالعدل والمساواة واحترام كرامة الإنسان. ومهما اشتدّ ظلام التَّعصُّب، سيبقى التَّآخي أقوى من الفُرقة، وستبقى إنسانيتنا أسمى من اختلافاتنا، وسيظلّ المبدأ الذي يجمعنا: . الدين لله، والوطن للجميع