حين يُطلَق الرصاص في جنازة… من يحمي قداسة الإنسان؟
الكاتب : بقلم: الأب سالم لولص - كاهن رعية الكرك للاتين
في كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، اجتمع الناس لتشييع جنازة، يحملون حزنهم ويودّعون فقيدهم بسلام. لكنّ الرصاص اقتحم لحظة الوداع، فتحوّلت الجنازة إلى مأساة، وخلّفت ضحايا وجرحى وعائلات مفجوعة. أيّ قسوة هذه التي تجعل جنازةً مكانًا لإطلاق النار؟ وأيّ ظلام يمكن أن يجعل الإنسان ينسى حرمة الحياة، ودموع الأمهات، وحقّ الناس في أن يودّعوا أحبّاءهم بأمان؟
لسنا أمام حادثة مؤلمة فحسب، بل أمام جرح أصاب الضمير الإنساني، وامتحان لقيمة العيش المشترك. حين يُطلَق الرصاص على إنسان في لحظة وداع، لا تُصاب الأجساد وحدها، بل تُستهدف قدرتنا على أن نعيش معًا، وأن نحزن معًا، وأن نحترم قداسة الإنسان.
إنّ الجواب عن هذا الجرح لا يكون بتعميم الاتهام أو إشعال الكراهية، بل بكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين أمام القضاء، وحماية الأبرياء ودور العبادة. نريد عدالة لا انتقامًا، ومحاسبة لا تشفّيًا، وأخوّة لا تكتفي بالشعارات، بل تظهر حين يصبح الآخر مهدّدًا.
وفي عيد مريم العذراء، سيّدة فلسطين وسائر الأرض المقدّسة، يكتسب هذا الألم بُعدًا روحيًّا عميقًا. فمريم، التي أنشدت: «تُعَظِّمُ الرَّبَّ نَفسي، وتَبتَهِجُ روحي باللهِ مُخَلِّصي» (لوقا 1: 46-47)، تعلّمنا أن الرجاء لا يعني إنكار الجراح، بل الإيمان بأن الشرّ ليس الكلمة الأخيرة.
لا يكفي أن نطلب من مريم أن تحمي أرضنا؛ علينا أن نتعلّم منها كيف نحمي الإنسان في هذه الأرض.
فالأردن وطن لجميع أبنائه، مسيحيين ومسلمين، والمواطنة والكرامة حقّ لكل إنسان. إنّ إدانة الجريمة لا تعني اتهام جماعة بأكملها، كما أنّ التمسّك بالأخوّة لا يعني الصمت عن الظلم. فالأخوّة الحقيقية تقتضي الوقوف إلى جانب الضحايا، والمطالبة بالعدالة، ورفض كل فكر يبرّر العنف أو يحوّل الاختلاف إلى عداوة.
ومن هنا، لا تستطيع الكنيسة أن تفصل الصلاة عن مسؤوليتها تجاه الإنسان. فالإيمان يدعونا إلى مواساة المتألّمين، والدفاع عن المظلومين، وتربية أبنائنا على احترام الآخر، ومواجهة الكراهية من دون أن نسمح لها بأن تسكن قلوبنا.
في عيد سيّدة فلسطين، نرفع صلاتنا من أجل عائلات الضحايا والجرحى، ومن أجل الأردن وفلسطين وسائر الأرض المقدّسة. نطلب سلامًا لا يقوم على الخوف، بل على العدل؛ وأخوّة لا تلغي الاختلاف، بل تحترم كرامة الجميع.
إنّ ما حدث في حمود نداء إلى ضميرنا جميعًا: لن نكرّم الضحايا بأن نسمح للكراهية بأن تصنع ضحايا جددًا، بل بأن نطالب بالعدالة، ونحمي الإنسان، ونتمسّك بوطن يتّسع لجميع أبنائه.
يا سيّدة فلسطين، صلّي لأجلنا، لكي لا تنتصر الكراهية على الأخوّة، ولا الخوف على الرجاء، ولا الموت على الحياة







