نداء الى انسانية جريحة ... تأملوا في الكلام

الكاتب : الأب ابراهيم فلتس

عاد صوتُ صفارات الإنذار المؤلم يتردّد من جديد فوق المدينة المقدسة. وعادت مشاعر الخوف لتسكن قلوب الناس، ولا سيّما في الأيام الماضية، مع سماع أخبار عن هجماتٍ متبادلة بين طرفين متباعدين في أنحاء العالم، لكنّها كثيرًا ما تمس الأرض المقدسة.

نداء الى انسانية جريحة ... تأملوا في الكلام

وكأنّ التاريخ يعيد نفسه؛ يومُ السبت، وكذلك كان سبتُ السابع من تشرين الأول ٢٠٢٣. ومثل ذلك اليوم، كان الأطفال اليوم أيضا مجتمعين في الساحة ليردّدوا معا صلاة القديس -فرنسيس البسيطة قبل دخولهم إلى الصفوف. وكما في ذلك اليوم المأساوي، رأيت الرعب والخوف يعودان بقوّة إلى عيون الأطفال.

وليس الخوف وحده ما يستولي على من يعيشون هذه اللحظات، بل تتعاظم أيضا القناعة بأن الشرّ لا يمكن التغلب عليه إلا بإرادة الإنسانية وتحمّلها مسؤولياتها.

بعد السابع من تشرين الأول ٢٠٢٣، تعددت النداءات والمطالبات الموجّهة إلى المجتمع الدولي للعودة إلى إنسانيته. وقد ناشد بها بالحاح حبران أعظمان، سلطات مدنية ودينية، ورجال ونساء بسطاء، وشخصياتٌ مرموقة. غير أنّ الإجابات غابت، وإن وُجدت، فلم تفضِ حتى الآن إلى نتائج ملموسة ومرئية في غزّة، وفي الأرض المقدسة، وفي مناطق أخرى أنهكتها سنواتٌ من الحروب والعنف.

من كان ينبغي أن يستجيب لنداءات السلام؟ هل مِن إنسانيةِ تلبّي نداءُ الإنسانيةِ الجريحة؟ وأي إنسانية تجيب إنسانية جريحة؟ هي أسئلة تبقى بلا إجابات ما دامت الحقوق الأساسية للأبرياء تُداس منذ سنوات، وما دامت واجبات المجتمع الدولي تُحركها مصالح اقتصاديات الحرب واللامبالاة نجاه المتألمين.

كل يوم، منذ شهور بل سنوات، نلمس الألم الذي يثقل كاهل المستضعفين، والعزّل، والأبرياء.

في غزّة، يُسلب الأطفال حقهم في السكينة؛ وبدل أن يتلقّوا الرعاية والتعليم يضطرون للبحث بين الركام عن أشياء يبيعونها مقابل طعام أو أغطية. أي إنسانية تسندهم وتعينهم وهم يتمشون بين الغبار وذكريات أبرياء رحلوا؟ إنها قمة اللاإنسانية ألا يجد الطفل والديه، ان يبحث عن قوته بين الركام. قمة اللاإنسانية أن يفقد حقه بالتعليم، ليس حقه فقط بل فقد أي إمكانية للتعليم، كل شيء حوله دمار بدمار، غبار وعفار وأجساد متحللة تنهشها الوحوش تماما كما ينهش الجوع والعطش والبرد بجسده الواهن المتألم. أي صورة هذه، وأي تاريخ سيُكتب لأسياد هذا العالم، سيخلدهم التاريخ كجلادين متوحشين عُمي البصر والبصيرة. فشلتم في إحقاق العدل، فشلتم في منع الحرب، وفشلتم في لتخفيف من نتائجها، فقدتم انسانيتكم عند أول تجربة.

أي إنسانية تمنع اغاثة من بحثوا عن النجاة فغرقوا في البحر، ذلك البحر الذي عمد اليوم أجسادا وأحلاما بالرجاء؟ وأي إنسانية لا حترم عهودا ومواثيق كان يمكن أن تمنح هدنةً ونَفَساً لمن ينتظرون نهاية عنفٍ وآلام تفوق الوصف؟ هي أسئلة بلا أجوبة، لأن إنسانية من تقع عليهم المسؤولية الأخلاقية في منع الشرّ من أن يتصدّر مشهد هذا الزمن لا تجيب.

العيش أياما استثنائية في الأرض المقدسة: فبالرغم من الأوقات الصعبة والمؤلمة التي تفرضها الصراعات وأعمال العنف، إلا أن الحياة تتواصل على إيقاع تعاقب المناسبات والأعياد للديانات التوحيدية الثلاث التي تسكن هذه الأرض. وغالبا لا تتبع الطقوس والأزمنة الدينية تواريخ ثابتة في التقويم المدني، غير أنه قد يحدث أحيانا أن تتلاقى الأعيادُ وتحملَ معانيّ عميقةً وخاصةً لكلّ واحدة منها. يصرّ التقويم من فترة لأخرى على أن يقوم بدور الإنسانية الحقّيقية حين تغيب أو تغيّب، يصر على تذكيرنا بأن اللقاء ممكن، لا بل إنه واجب، يصرّ على ان العبادة الحقيقية تكون بالأفعال لا بالكلام، أفعال الرحمة والإغاثة والمحبة والسلام.

يصر التقويم في هذا العام تحديدا على تذكيرنا، نحن المؤمنين بالله الواحد، بأن أسمى شهادة نقدمها له تعالى تكون بعمل الخير تجاه آخينا الإنسان، بمنع الضرر عنه أولا، ورحمته ومساعدته إن وقع.

ففي هذا العام، تزامن "أربعاء الرماد" - وهو بداية زمن الصوم الكبير المبارك لنا نحن المسيحيين- مع بداية شهر رمضان الفضيل لدى المسلمين، وفي شهر آذار ستحتفل الديانة اليهودية بعيد "المساخر" (يوم بوريم)".

إنّ خبرتي في الأرض المقدسة ما تزال تدفعني إلى الإيمان والرجاء بوجود قلوب بشرية تحبّ القريب دون قيود أو حدود. أعرف أشخاصًا من كل الديانات يحملون العون في صمت، ويساندون المحتاجين دون أن ينظروا إلى جنسيّتهم أو معتقدهم الديني، بل يرون فيهم أخًا يبحث عن مساعدةٍ وقرب وسند وتضامن.

عرفت عن قرب أشخاصًا لم تعد لديهم القوة على المضي قدمًا، وعرفتُ أيضًا أشخاصًا يعزّون، ويمدّون يدًا صديقة، ويستمعون بإصغاء صادق، ويمنحون عناقًا بدفء الروح.

هذه هي الإنسانية التي ينبغي لكلّ إنسانِ أن يتعرّف فيها إلى ذاته، وهذه هي الإنسانية التي بجب أن يمثلها المجتمع الدولي.

فالحقوق والواجبات، والمسؤولية والاحترام، عناصر أساسية لكي نبقى بشرًا، ونؤمن، ونحافظ على الثقة والرجاء في الإنسانية. تلك الإنسانية الحقة التي تلبي نداء انسانية ضعيفة .