مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ الله هو أَخي وأُخْتي وأُمِّي - مرقس ٣: ٣١-٣٥

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس

سنة جديدة ٢٠٢٦. وحرب قديمة، قصد إبادة، مستمرة من٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ثم وقف إطلاق النار في ٩/١٠/٢٠٢٥. صراع بلا حل. لا يراد له الحل إلا بالإبادة. مستوطنون وجنود يعتدون. وتدمير بيوت وتهجير، والإنسان يُقتل ويُسجَّلُ رقمًا. يزداد كل يوم. ومع ذلك، الأمل في هذه السنة أن تكون جديدة، وفيها خير جديد هو سلام وعدل. الله سيفتقد أرضه وأهلها. "إِلَيكَ يا رَبِّ أَرفَعُ نَفْسي، إِلٰهي عَليكَ تَوَكَّلتُ فلا أَخْزَ، ولا يَشمَتْ بي أَعْدائي" (مزمور ٢٥: ١-٢). ارحمنا، يا رب. أمس، المستوطنون الإسرائيليون هاجموا عائلة في إحدى الرعايا، في بيرزيت (رام الله). دخلوا بين الزيتون فأحس بهم أهل البيت، فخرجوا ليروا من الآتي. الأم وثلاثة شباب. تبعت معركة بالحجارة... أصيبت الأم بضربة خطيرة وحملت إلى المستشفى، وما زالت هناك. وجُرِحَ أحد المستوطنين. جاء الجيش الإسرائيلي. فأوقف أحد الشباب، وتركوا المستوطنين بلا محاسبة أو عقاب، وكانوا قد اخذوا معهم الشابين الثانيين ثم رَمَوهُما خارج البلدة. المعتدى عليه موقوف. والمعتدون أحرار لا أحد يحاسبهم. وهكذا كل يوم، يا رب، هنا أو هناك، في كل مدن وقرى فلسطين. الإنسان ظالم، يا رب. ماذا نصنع؟ أنت عادل وتراهم وتعرفهم. وأنت ملجأنا الوحيد. ارحمنا، يا رب.

مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ الله هو أَخي وأُخْتي وأُمِّي - مرقس ٣: ٣١-٣٥

إنجيل اليوم

٣١وجاءَت أُمُّه وإِخوتُه فوقَفوا في خارِجِ الدَّار، وأَرسَلوا إِليهِ مَن يَدْعوه. ٣٢وكانَ الجَمعُ جالِسًا حَولَه، فقالوا له: «إِنَّ أُمَّكَ وإِخوَتَكَ في خارِجِ الدَّارِ يَطلُبونَكَ». ٣٣فأَجابَهم: «مَن أُمِّي وإِخوَتي؟» ٣٤ثُمَّ أَجالَ طَرفَه في الجالِسينَ حَولَه وقال: «هٰؤُلاءِ هُم أُمِّي وإِخوَتي، ٣٥لأَنَّ مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ الله هو أَخي وأُخْتي وأُمِّي».

       من جديد، المشهد نفسه، يسوع محاط بالجموع، يعلِّم. وجاء "أهله"، مريم وأقاربه ليعيدوه معهم إلى البيت. في هذه المرة، يسوع يشرح ويبيِّن ما يلي، لمستمعيه في زمنه، ولنا نحن اليوم: «مَن أُمِّي وإِخوَتي؟» ... إنَّ مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ الله هو أَخي وأُخْتي وأُمِّي» (٣٥).

       من أخي؟ كل خَلْقِ الله. أهلي أقاربي، نعم، هم أهلي وأقاربي، لكن هم أيضًا أكثر من ذلك. هم أبناء الله. ومِثلُهم كل خلق الله. ومن هم أبناء الله؟ من هم الذين يَحيَوْن حسبَ حقيقة كيانهم وبحسب المعنى الكامل لحياتهم؟ هم الذين يعملون بمشيئة الله.

       ما معنى العمل بمشيئة الله؟

       أن أعرف وأعترف بأني خليقة، والله خالقي وأبي، وأنه حاضر في حياتي، وأنه حاضر في كل تاريخ البشرية. أعي هذا وأوفِّقُ بين حياتي، كل ما أعمل وأقول، بل كل ما أفكر، مع إرادته نعالى وعمله فيَّ وفي البشرية.

       تقام العلاقات بين الناس، لكن العلاقة الرئيسية هي مع الله. بحضور الله في حياتي، كل علاقاتي مع إخوتي وأخواتي تأخذ نورًا ومعنى، وتصير علاقة حياة، كيان عميق، مرتبط بالوجود الذي أعطاني إياه الله.

       الله أبي. هذه الحقيقة وهي أساس حياتي.

       وأعمل مشيئة الله يعني أن أقبل أن يعمل الله فيَّ، وأنظر إلى إخوتي وأخواتي بحسب مشيئة الله القدوس القوي الذي لا يموت.  الذي يسهر على كل أبنائه. وهو يصبر عليهم، ويعطيهم الحياة، ويرسل مطره وشمسه إلى الأبرار والأشرار، لكن في لحظة ما، يدعو "إلى الحياة" وإلى الحساب الأبرار والأشرار.

       مشيئة الله هو البحث عن مشيئة الله، عندما لا أفهم شيئًا في تاريخ البشرية الذي أحيا فيه، ولا سيما هذه الحرب التي لا تنتهي في أرضنا المقدسة.

       معنى كل موجود، وأساس كل حياة، وكل علاقة، بين الأقارب البعيدين والأقربين، عمل مشيئة الله. "إنَّ مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ الله هو أَخي وأُخْتي وأُمِّي" (٣٥).

       ربي يسوع المسيح، صرتَ إنسانًا مثلنا. أردتَ أن تكون لك أسرة مثلنا. وتركتها لتعمل بمشيئة الآب. علِّمْنا أن نعمل مشيئة الله، وأن نترك كل شيء نحن أيضًاـ لنعمل بمشيئته تعالى. آمين.

الثلاثاء ٢٧/١/٢٠٢٦                                بعد الأحد الثالث من السنة