ما معنى أن تكون مسيحيًّا؟ - متى ١٣: ٥٤-٥٨

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا

"وَجَاءَ إلَى وَطَنِهِ، وَأَخَذَ يُعَلِّمُ النَّاسَ فِي مَجمَعِهِم، حَتَّى دَهِشُوا وَقَالُوا: مِن أَينَ لَهُ هَذِهِ الحِكمَةُ وَتِلكَ المـُعجِزَاتُ؟ أَلَيسَ هَذَا ابنَ النَّجَّارِ؟ ألَيسَتْ أُمُّهُ تُدعَى مَريَم، وَإخَوتُهُ يَعقُوبُ وَيُوسُفُ وِسِمعَانُ وَيَهُوذَا؟ أَوَلَيسَ جَمِيعُ أَخَوَاتِهِ عِندَنَا؟ فَمِن أَينَ لَهُ كُلُّ هَذَا؟" (٥٤-٥٦).

ما معنى أن تكون مسيحيًّا؟ - متى ١٣: ٥٤-٥٨

 

٥٤. وجاء إلى وطنه، وأخذ يعلم الناس في مجمعهم، حتى دهشوا وقالوا: من أين له هذه الحكمة وتلك المعجزات؟ 

٥٥. أليس هذا ابن النجار؟ أليست أمه تدعى مريم، وإخوته يعقوب ويوسف وسمعان ويهوذا؟ 

٥٦. أوليس جميع أخواته عندنا؟ فمن أين له كل هذا؟ 

٥٧. وكان لهم حجر عثرة. فقال لهم يسوع: لا يزدرى نبي إلا في وطنه وبيته. 

٥٨. ولم يكثر من المعجزات هناك لعدم إيمانهم.

من إنجيل القديس متى، نهاية الفصل ١٣، الآيات ٥٤-٥٨.

"وَجَاءَ إلَى وَطَنِهِ، وَأَخَذَ يُعَلِّمُ النَّاسَ فِي مَجمَعِهِم، حَتَّى دَهِشُوا وَقَالُوا: مِن أَينَ لَهُ هَذِهِ الحِكمَةُ وَتِلكَ المـُعجِزَاتُ؟ أَلَيسَ هَذَا ابنَ النَّجَّارِ؟ ألَيسَتْ أُمُّهُ تُدعَى مَريَم، وَإخَوتُهُ يَعقُوبُ وَيُوسُفُ وِسِمعَانُ وَيَهُوذَا؟ أَوَلَيسَ جَمِيعُ أَخَوَاتِهِ عِندَنَا؟ فَمِن أَينَ لَهُ كُلُّ هَذَا؟" (٥٤-٥٦).

يسوع في الناصرة بين أهله. يعلِّم أيضًا كما علَّم في أماكن أخرى، وتعليمًا مدهشًا أثار إعجاب سامعيه، الذين يعرفونه، أنه واحد منهم، "فمن أين أتته تلك البلاغة؟" يعرفون أباه يوسف، نجار القرية، وأمه مريم، وإخوته وأخواته.

مرة أخرى الكلام على إخوة يسوع وأخواته. سأل بعض القراء: ماذا تعني هذه اللفظة "إخوته وأخواته"، ومريم أم يسوع بقيت بتولًا كل حياتها أمام الله؟ الإخوة والأخوات هم أبناء العم. كانوا في الماضي وإلى زمن غير بعيد منا أيضًا، لما كانت العائلة كلها تعيش معًا في فناء واحد، "حوش"، والكل كانوا، "يابا" و"يما" والكل، أبناء كل الإخوة، كانوا إخوة وأخوات. إذن، الإخوة والأخوات، هم أبناء وبنات العم...

بهذا المعنى نفهم هذه العبارة. ونعود إلى تأملنا. يسوع بين أهله. كان بينهم واحدًا منهم. لم يظهر منه أي شيء خارق. وأصلًا لم يأتِ ليصنع الخوارق... هو كلمة الله الذي صار إنسانًا. وأقام بيننا. وتواضع وأطاع حتى الموت موت الصليب. وجاء ليمنح حياة جديدة ونورًا جديدًا للناس جميعًا بما فيهم أهل بيته وأقاربه من حيث الجسد، حتى يخرجوا هم أيضًا من معرفتهم المحدودة، من قرابتهم من حيث الجسد، ويعرفوا كل حقيقته. جاء يعلِّمُهم هم أيضًا. فإن فتحوا قلوبهم رأوا فيه ليس "ابنهم أو أخاهم"، وليس فقط "ابن النجار"، بل ابن الله، الكلمة المتجسد، الذي كان لدى الآب، ورأى الآب، وأظهر لنا من هو الآب (يوحنا ١: ١٨). يسوع ليس مقيَّدًا بقرابة، هو قريب لكل إنسان، ومحِبٌّ لكل إنسان، فادٍ لكل إنسان. وسيؤمن به بعض أقاربه ويتبعونه هم أيضًا.

  أما إنجيل اليوم، فيقول أهل بلدته أغلقوا قلوبهم. وفي مكان آخر، يقول الإنجيل إنهم غضبوا عليه، لأنه وبخهم لقلة إيمانهم، حتى أرادوا أن يُلقوه من أعلى قمة الجبل الذي بُنِيَت عليه مدينتهم.

ويبقى السؤال أمام كل من يلتقي يسوع، في زمنه، وفي زمننا: من هو يسوع؟ أهو فقط واحد منا، مثلنا تمامًا، "ابن يوسف النجار"، أم هو أكثر من ذلك؟

والسؤال لكل مؤمن: ما معنى أن تكون مسيحيًّا؟ أن تنتمي إلى تلك الرعية أو تلك الكنيسة فقط، أم هو شيء أكثر من ذلك؟ أن تكون مسيحيًّا ليس فقط انتماء إلى رعية ما في قرية أو مدينة، هو أن تلتقي لقاء شخصيًّا مع يسوع. هو أن تعرف يسوع معرفة عميقة. هو أن تجثو أنت في أعماق قلبك أمام يسوع، وتكلمه كلام المـُحِبّ للمـُحِبّ. حياة مع يسوع المسيح. حياة في القلب، ترشد كل الوجود، كل عمل وقول. وبهذا الإيمان، وبهذه المحبة ليسوع، تتخذ مكانك في الجماعة المؤمنة. أنت أولا مؤمن بيسوع، وهو يعرفك ويحبك، وهو الذي يضعك في جماعة مؤمنة، في رعية، حتى يعرف كل المؤمنين به بعضهم بعضًا أبناء وإخوة وأخوات، وحتى يعيشوا، في عالم كله أبناء الله، وكله إخوة وأخوات.

ربي يسوع المسيح، أعطيتني أن أومن، أن أكون من "أهل بيت الله"، في رعيتي وكنيستي، أعطني أن أعرفك، أن أعيش معك، أولا، ثم مع الجماعة المؤمنة التي أعطيتني أن أكون فيها. آمين.  

الاثنين ٢٠/٢/٢٠٢٣