كنيستي الأرثوذكسية… أن تكتب القصيدة على إيقاع البخور

الكاتب : رانية مرجية - الرملة

حين أمسكتُ بقلمي لكتابة هذه القصيدة، لم أكن أكتب عن كنيسةٍ من حجرٍ أو طقوسٍ من ورق، بل عن كيانٍ نُقشت روحي عليه مذ كنتُ في بطن أمي. كتبتُ عن كنيستي الأرثوذكسية كما أعرفها: قِبلةُ الروح، وذاكرةُ الأرض، ونقطةُ المقاومة الأولى والأخيرة في شرقٍ لا يكفّ عن نفي ذاته ومحو طقوسه.

كنيستي الأرثوذكسية… أن تكتب القصيدة على إيقاع البخور

الكنيسة كبيتٍ للحنين والهوية

في البيت الافتتاحي:

يا مهبطَ الروحِ في الزيتونِ يا سَكَناً

يشعُّ فيكِ حنينُ الشرقِ والوَطَنِ

أقدّم الكنيسة لا كحجارةٍ ساكنة، بل ككائنٍ حيّ، يتنفس الزيتون والضوء والحنين، ويتّسع لكل الشرق. هي بيت الذاكرة ومهد الانتماء، تحضن من تبقّى من هويةٍ مشرقيّةٍ تتآكل بصمت. الكنيسة هنا وطنٌ صغير، لكنه لا ينفصل عن الوطن الكبير الذي يُنهش كل يوم.

عن البخور، والمذابح، والرهبان الذين يشبهون القمر

رهبانُكِ الخُشعُ في أهدابِهم قمرٌ

والصمتُ إن نطقوا أنشودةُ الزمنِ

أنا لا أرى الرهبنة حالة انسحاب من الحياة، بل تجذّر فيها. في هذا البيت، أحتفي بالنسّاك الذين عاشوا حياة الضوء في العتمة. صمتهم ليس صمت الهروب، بل صمت البصيرة. هذا البيت هو مرآة لحالة وجدانية: أن تقول كل شيء دون أن تتكلم.

الأم… تلك التي باركتني حتى في غيابها

أمّي هناكَ، وإن غابتْ، تباركني

بظلّها المتعبِ المنسوجِ من كَفَنِ

هذا البيت هو قلب القصيدة. أمي الراحلة لم تكن فقط من أنجبتني، بل كانت أول من علّمني كيف أركع، وأين أضع شموعي، وكيف أُمسك بالصلاة كما يُمسك المنفيّ بصورة قريته. حضورها الغائب هو أكثر ما أرهقني وألهمني معًا. ظلها المتعب لا يباركني من فوق، بل يسكن تراب هذه الكنيسة. وهكذا، الأم ليست شخصية عابرة في النص، بل هي رمز للأم الكبرى: الأرض، الكنيسة، الهوية.

الكنيسة والجلجلة اليومية

هُمُ الذينَ على الجلجلةِ ارتجفوا

وسُمِّروا في صلاتِ الحقِّ والفِتَنِ

هنا تكمن ذروة البُعد السياسي للقصيدة. أبناء الكنيسة الأرثوذكسية لا يعيشون ماضي الجلجلة كحكاية دينية، بل كحالةٍ متكرّرة. يُصلبون في هويتهم كل يوم، يُمزّقون بين الانتماء والطرد، بين الأصالة والتجاهل. ومع ذلك، يركعون علنًا، ويشعلون الشموع بلا ثمن، كأنّهم يحملون نور القيامة على أكتافهم.

القصيدة في السياق الفلسطيني

القصيدة في عمقها ليست فقط دينية، بل وطنية حتى العظم. هي مرثاة للبقاء المسيحي الفلسطيني، ورفضٌ صامتٌ للاختفاء. أرثوذكس فلسطين هم من تبقّى من سفر الرؤية، من الخميرة التي تحفظ العجين. لذلك، فـ”كنيستي الأرثوذكسية” ليست مجرد عمل شعري، بل بيانُ انتماء، ونشيدُ حضورٍ في زمن الانقراض.

خاتمة: الكتابة بخورٌ آخر

كتبتُ هذه القصيدة لأنّي لم أعد أحتمل رؤية الكنائس تُختصر في الذاكرة أو تُستخدم كديكور للسياحة الدينية. كنيستي ليست معلمًا أثريًا، بل هي جسدي الثقافي، وذراعي الروحية، ورائحة طفولتي. فيها من البخور بقدر ما فيها من الدموع.

إن الكتابة عنها لم تكن قرارًا، بل صلاة