يا أمّي

الكاتب : د. إياس ناصر - شاعر وباحث ومحاضر للشعر والأدب العربي

أَخجَلُ يا أمّي... كم أَخجَلْ! أن أرسُمَ وجهَكِ بالكلماتْ وأصوِّرَ قلبَكِ في الصّفحاتْ وأعبِّئَ عُمرَكِ في لَحَظاتْ فكيانُكِ يا أمّي أكبرْ من كلِّ مساحاتِ الكلماتْ

يا أمّي

في قلبي يا أمّي رجلٌ

يَتحرَّقُ شوقًا لِصِباهُ...

يَتذكَّرُ أمًّا ترعاهُ...

وتُقدِّمُ في اللّيلِ دواهُ

وتُجالسُ وجهَ مخدَّتِهِ

كي تَنظُرَ في النّومِ رضاهُ

وتُقبِّلُهُ... وتُداعبُهُ...

وتفاجِئُهُ بهداياهُ

وتُصغِّرُ أحجامَ الدّنيا

لتعيشَ بكلِّ قضاياهُ...

وتَلُمُّ البسمةَ من فَمِها

كي تَمسَحَ فيها شكواهُ

وتُسيِّجُ حقلَ مدامعِهِ

لتُزقزقَ دومًا شفتاهُ...

***

في قلبي يا أمّي رجلٌ

يَتحرَّقُ شوقًا لصباهُ...

يَتذكَّرُ أمًّا ترعاهُ...

يَتذكَّرُ طفلاً مشغولاً

برغيفِ الخبزِ وحلواهُ

يَتذكَّرُ أمًّا تَحمِلُهُ

وتُسائِلُ عمّا أبكاهُ

فيُحسُّ بدفءِ ملامِحِها

وبحُبٍّ يَملأُ دنياهُ

وبأنّهُ حينَ يُعانقُها

لا يَفرحُ في الكونِ سواهُ

***

يا أمّي...

قد صرتُ كبيرًا يا أمّي..

قد صرتُ كبيرًا وحنيني

يَأكلُ من عمري وسنيني

قد صرتُ بعيدًا مغتربًا

كالشّمعِ تذوبُ عناويني

قد صرتُ أفتِّشُ عن وطنٍ

يتحمَّلُ ناري وجنوني

يتصيَّدُ دمعي وشجوني

لكنّي أرجعُ يا أمّي

أحمِلُ أحلامي ويقيني

فأنا لن ألقى لي وطنًا

أكبرَ من قلبِكِ يَأويني...