كلمة وتعزية في قدس الأب هيثم حنو
الكاتب : الأستاذ نظمات خمايسي (أبو إياد) – كفر كنا
القيامة – ننشر فيما يلي كلمة المربي والناشط، الأستاذ نظمات خمايسي الذي عرف الأب هيثم حنو، من خلال لقائه في المناسبات وكلماته في المعايدات الإسلاميه والمسيحية في البلدة.
“كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ” (العنكبوت: 57)
“أنا هو القيامةُ والحياة. من آمنَ بي وإنْ مات فسيحيا” (يوحنا 11: 25)
في لحظات الفقد، تتراجع البلاغة خجِلة، وتكفّ الكلمات عن زهوها، حين يتقدّم الصمتُ باكيًا قامةً من قامات العطاء، وصوتًا من أصوات السلام، وروحًا سَكَبَت ذاتها للناس حبًّا ورحمةً دونما تفرقة، ودون انتظار جزاء.
بقلوبٍ تكسوها السكينة ويعتصرها الألم، ننعى إلى أهلنا في كفركنّا، وإلى رعيّة اللاتين، وإلى إخوتنا المسيحيين في المشرق العربي، قداسة الأب هيثم حنّو، راعي طائفة اللاتين في كفركنّا، العراقيّ المولد، الكنعانيّ الرسالة، العربيّ النَّفَس، الكهنوتيّ النبض والملامح، الذي وافته المنيّة خارج البلاد إثر نوبة قلبية مفاجئة، اختارت من بين القلوب أصفاها، ومن بين الأرواح أنقاها.
لقد اختزلت فيه الكنيسة ملامحها، وتجسّد الكهنوت في سلوكه خُشوعًا وخدمةً وإنسانية. ما كانت المحبة عنده مجرّد وعظ، بل كانت فعلًا يمارسه في كل لحظة، وكان الإيمانُ لديه جسدًا حيًّا يسير على قدمين في شوارع كفركنّا، يصغي لوجع الناس، ويُمسك بأياديهم، ويُضيء قلوبهم دونما نظرٍ إلى طائفة أو معتقد أو انتماء.
كان -رحمه الله- نِعم الكاهن في محرابه، ونِعم الإنسان في خُلقه، ونِعم المواطن في التزامه ونبله. آمن بوحدة النسيج الاجتماعي، فعمل لها بعقله وقلبه، وصنع من تآلف القلوب صلاته اليومية. رأى في الآخر مرآةً لذاته، وفي الاختلافِ فسحةً للحوار، وفي الوئامِ سبيلًا لخلاص المجتمعات.
لقد أحب الناسَ فأحبّوه، خدمهم فخدموه، دعاهم للوحدة فلبّوا نداه، وتقدّمهم في دروب الخير فتبِعوه، لأنه كان يحمل في قلبه إنجيل الرحمة وسلام المسيح، ويترجم وصاياه إلى أفعال ناطقة.
رحل الأب هيثم وهو في ذروة عطائه، وما زال في النهر ماء، وفي قلبه ضياء، وفي رسالته امتدادٌ حيٌّ لا ينقطع. كان رجل السلام في زمن الضجيج، وصوت الحكمة في زمن التمزّق، ونورًا أُوقد في ظلمة الانقسامات.
رحيله لا يُؤلم الرعية وحدها، بل يُبكي المشرق كلّه، إذ فقدنا فيه رسول محبةٍ عابرًا للأطر والحدود، وجسرًا بين الديانات والقلوب، وإنسانًا تجلّت فيه أنقى القيم السماوية.
نعزّي أسرته المفجوعة، ونعزّي كنيسته الحزينة، ونعزّي رعيّته في كفركنّا التي فقدت الأبَ والراعي والمعلّم، ونعزّي كلَّ قلبٍ في هذا المشرق نبض بمحبة الأب هيثم حنّو.
رحمك الله يا من وسِع الناس قلبُه، وعَبَرت من خلاله المحبةُ دون حواجز، وجعل مرقدك روضة من سلام، وسيرتك نبراسًا يهتدي به الساعون إلى الخير.
"يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً" (الفجر: 27–28)
"طوبى لأنقياء القلوب، فإنهم يعاينون الله."
الجمعة 2025/7/25






