ربّ موت كالحياة

الكاتب : حاتم حسون

سُئل سقراط الحكيم: "ما أقرب شيء؟" فقال: "الأجَل". "وما أبعد شيء؟" فقال: "الأمل". "وما أوحش شيء؟" فقال: "الموت."

ربّ موت كالحياة

وموتك يا أبا جبور رحيل جسد ليس إلا، رحيل قامة عظيمة. جسّدت الإنسانية بأجمل معانيها،

رحل الجسد وبقيت الذكرى والذاكرة.

رحل الجسد وبقي إرثك الفكري والثقافي الملتزم.

رحل الجسد وبقيت رسالتك الإنسانية عامّة، والدفاع عن الذاكرة الفلسطينية، أمام محاولات طمسها وتغريبها بصورة خاصة.

رحل الجسد وبقيت أفكارك البوصلة التي نهتدي بها في متاهات هذا الزمن الرديء.

رحل الجسد وبقيت صفاتك ماثلة أمامنا، فلم تبهرك الشُّهرة ولا كلمات التبجيل، وبقيت مخاطبًا الفقراء والمشردين، والأطفال وأحرار العالم، ويصح فيك قول الشاعر:

إذا زادَ عـلمُ المــرءِ زاد تَواضُعــًا  

                                   وإن زادَ جهلُ المرءِ زادَ ترفُّعًا

ألم ترَ الغُصنَ الرطيبَ بِحَملِهِ

                                     تطأطأ وإن قلً الثمار تَرَفّعَا

كنت مبدئيًّا في مواقفك، تطرحها بلا تحفظ، تدافع عنها بحزم، لكنك لم تخدش الآخرين رغم تباين المواقف، ولم تكن مستعدًا لأن تتنازل عن موقفك، طمعًا بمكسب، مضيت سائرًا على طريق القدّيسين، من محطة الى أخرى، لا تشكو ولا تنثني، وحين يشعر الجسد بالإرهاق (وإذا كانت النُّفوسُ كِبارًا -- تَعِبَت في مُرادِها الأجسامُ) ترتاح ثم تواصل رحلة سيزيف نحو قمة الجبل، كنت من طينة نقية، ترفض اللوث أيًّا وأينما كان، فكسبت البعيد قبل القريب.

كنت شاهدا على العصر، قبل النكبة وبعدها، ونقلت مَشاهد القهر والاضطهاد والتمييز، ومعاناة الفلسطينيين، في ظل قوانين الطوارئ، وسياسة التضييق، وتقييد الحريات، فمن رحم هذا الوضع، كتبت فأبدعت، فجاءت مقالاتك وكتبك شاهدة على ذلك. كما سافرت إلى بلاد الغرب، واستقبلتَ أهلها في بيتك، ومقر مؤسستك، شارحًا وموضِّحًا ومُنَبِّهًا، وجاهدت من أجل إحلال السلام القائم على العدل والإنصاف، والحق المشروع، لم تجامل ولم تحابِ، قلت كلمة الحق في موضعها ووقتها.

كنت حارسًا للذاكرة الشفاعمرية، فلم تترك شاردة أو واردة، لم تهمل أي معلومة، ولم تبخل بأي فكرة... لقد دوَّنت ذكرياتك، ووثقت الأحداث والأمكنة والشخصيات، حافظت على تاريخ شفاعمرو وصنته، ونقلته للأجيال القادمة، فكنت خير شاهد وخير مؤرخ لشفاعمرو، التي أحببتها كحبّك لبيتك، فبادلتك الحبّ، وها هي اليوم توفيك بعض حقك عليها.

لقد أقرّ من سار في أعقابك من حملة الأقلام، أنهم تعلّموا منك، ومن أدبك، كيف يكون الإنسان إنسانًا، فكنت المعلم والأديب، بحثت في ثنايا الذكريات، لتبقى معنَا وفينَا، استذكرت شريط الماضي، كي يبقى انتماؤنا ثابتًا كالسنديان، وستبقى كلماتك تتسابق، لترسم لنا الطريق، وتشدنا إلى حكايات بلادنا، وستظل ذكراك يا أبا جبور رسمًا في عيوننا ووشمًا على وجنات الرحيل، لكلّ ما هو جميل، وستبقى يا أبا جبور سنبلة تملأ الوادي سنابل.

طوبى لك راحتك الأبدية، فقد يكُون في الموت سكُون، وقد يكُون في الموت حياة.