رؤساء الأمم يتسلَّطُون عليها - متى ١٤: ١-١٢

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا

تعلَمُونَ أنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهَا، وَأَنَّ أَكَابِرَهَا يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهَا. فَلَا يِكُنْ هَذَا فِيكُم، بَل مَن أَرَادَ أَن يَكُونَ كَبِيرًا فِيكُم، فَلْيَكُنْ لَكُم خَادِمًا. وَمَن أَرَادَ أَن يَكُونَ الأَوَّلَ فِيكُم، فَلْيَكُنْ لَكُم عَبدًا: هَكَذَا ابنُ الإنسَانِ لَم يَأْتِ لِيُخدَمَ، بَل لِيَخدُمَ وَيَفدِيَ بِنَفسِهِ جَمَاعَةَ النَّاسِ" (متى ٢٠: ٢٥-٢٨).

رؤساء الأمم يتسلَّطُون عليها - متى ١٤: ١-١٢

 

١. في ذلك الوقت سمع أمير الربع هيرودس بذكر يسوع،

٢. فقال لحاشيته: هذا يوحنا المعمدان، إنه قام من بين الأموات، ولذلك تعمل فيه القدرة على إجراء المعجزات.

٣. ذلك بأن هيرودس كان قد أمسك يوحنا، فأوثقه ووضعه في السجن من أجل هيروديا امرأة أخيه فيلبس،

٤. لأن يوحنا كان يقول له: إنها لا تحِلُّ لك.

٥. وأراد أن يقتله فخاف الشعب لأنهم كانوا يَعُدُّونه نبِيًّا.

٦. ولما احتفل هيرودس بذكرى مولده رقصت ابنة هيروديا في الحفل، فأعجبت هيرودس،

٧. فوعدها مؤكِّدًا وعده بيمين أن يُعطِيَها أي شيء تطلبه.

٨. فلقَّنَتْها أُمُّها فقالت: أعطِني ههنا على طبق رأس يوحنا المعمدان.

٩. فاغتمَّ الملك ولكنه أمر بإعطائها إياه من أجل أيمانه ومراعاة لجلسائه.

١٠. وأرسل فقطع رأس يوحنا في السجن.

١١. وأتي بالرأس على طبق فأُعطِيَ للصبية، فحملته إلى أُمِّها.

١٢. وأتى تلاميذ يوحنا فحملوا الجثمان ودفنوه، ثم ذهبوا فأخبروا يسوع.

"فِي ذَلِكَ الوَقتِ سَمِعَ أَمِيرُ الرُّبعِ هِيرُودُس بِذِكرِ يَسُوع، فَقَالَ لِحَاشِيَتِهِ: هَذَا يُوحَنَّا المــَعمَدَان، إنَّهُ قَامَ مِن بَينِ الأَموَاتِ، وَلِذَلِكَ تَعمَلُ فِيهِ القُدرَةُ عَلَى إِجرَاءِ المــُعجِزَاتِ" (١-٢).

كان هيرودس حاكمًا. وعندما يحكم الإنسان يمكن أن يكون حاكمًا صالحًا، ويمكن أن يصير فاسدًا وظالِمــًا. في هيرودس بقي بعض الصلاح، تجاه يوحنا المعمدان، "خَافَ الشَّعبَ لِأَنَّهُم كَانُوا يَعُدُّونَهُ نَبِيًّا" (٥). ولما طلبت منه ابنة هيروديا رأس يوحنا، "اغتَمَ المــَلِكُ" (٩). كان فيه بقية من الصلاح. لكن الشر تغلَّب عليه. وانقاد له، "وَأرسَلَ فَقَطَعَ رَأسَ يُوحَنَّا فِي السِّجنِ" (١٠).

إذا كان الإنسان في الحكم، يمكن أن يبقى صالحًا، وأن يبقى خادمًا للجماعة. ويمكن أيضًا أن يصير مستبدًّا ويحوِّل الجماعة إلى خُدَّام له. في بلدنا مثلا، الحكم صار احتلالًا عسكريًّا، مع كل الشرور التي تنجم عن الاحتلال. والحاكم يبرر نفسه، ويقنع أيضًا حكَّامًا آخرين في العالم بصحة موقفه.

الحاكم يمكن أن يعرف النبي، ويمكن أن يقتله. هيرودس، في الحكم، عرف أن يوحنا نبي، وأمر بقتله. لكنه لم يستطع أن يعرف يسوع المسيح، لأنه لم يكن من الصغار والبسطاء الذين يكشف الله لهم عن ذاته. وضع نفسه مع الأشرار الذين لا يقدرون أن يروا الصلاح الذي يأتي من الله.

الحاكم يمكن أن يكون مستبدًّا ظالمــًا وأن يصنع شرًّا كثيرًا. يمكن أن يظلم، يمكن أن يأمر الجنود بالقتل، وبهدم البيوت، وبالتوقيف في السجون، والتعذيب... يمكن أن يجعل الحياة صعبة أو مستحيلة على الناس، كما يحدث اليوم في أرضنا، الأرض نفسها التي تكلَّم فيها يسوع، والتي أمر فيها هيرودس بقطع رأس يوحنا المعمدان.

من هو صاحب الحكم؟ في مجال السياسة يوجد حُكَّام. لكن أيضًا، بين المــُرسَلين من قبل الله يمكن أن يكون أصحاب سلطان. وقد نبَّه يسوع تلاميذه يوم قال لهم:

"تعلَمُونَ أنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهَا، وَأَنَّ أَكَابِرَهَا يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهَا. فَلَا يِكُنْ هَذَا فِيكُم، بَل مَن أَرَادَ أَن يَكُونَ كَبِيرًا فِيكُم، فَلْيَكُنْ لَكُم خَادِمًا. وَمَن أَرَادَ أَن يَكُونَ الأَوَّلَ فِيكُم، فَلْيَكُنْ لَكُم عَبدًا: هَكَذَا ابنُ الإنسَانِ لَم يَأْتِ لِيُخدَمَ، بَل لِيَخدُمَ وَيَفدِيَ بِنَفسِهِ جَمَاعَةَ النَّاسِ" (متى ٢٠: ٢٥-٢٨).

"رؤساء الأمم يتسلَّطُون عليها". أما أنتم فكونوا خُدًّامًا للجميع. وفيما بينكم، كونوا خُدَّامًا بعضكم لبعض. وليَسُدْ الحب بينكم. نحن تلاميذ يسوع المسيح. ونحن إكليرس ومؤمنون. وأحيانًا تصبح العلاقة بيننا علاقة سلطة من قبل الإكليرس، من قبل كاهن الرعية، تجاه المؤمنين. أو من قِبَلِ كل مسؤول في الجماعة المؤمنة، أو أيضًا في حياة المؤمنين أنفسهم، في العائلة وفي العمل... يمكن أن تظهر روح السلطة، في كل الخدمات التي تُطلَبُ منا.

لنسأل أنفسنا، إكليرسًا ومؤمنين، هل أنا خادم مثل يسوع المسيح، مُحـِبٌّ مثل يسوع المسيح. هل أنا أخ دائمًا لإخوتي؟ أم أصير أحيانًا سيِّدًا على إخوتي، وأنسى المحبة والخدمة؟ والتردد بين الخير والشر، مثل هيرودس، قاده إلى أن يأمر بقطع رأس يوحنا. نحن أيضًا إن ترددنا بين الخدمة والسلطة، يمكن أن نقتل نفوسًا تطلب منا الحياة. إن بقينا نتردَّد بين هذا وهذا، سينتهي بنا الأمر إلى عدم التعرُّف على يسوع، فننسى وصيته، "وَمَن أَرَادَ أَن يَكُونَ الأَوَّلَ فِيكُم، فَلْيَكُنْ لَكُم عَبدًا"، ويمكن أن نسيء إلى كثيرين.

ربي يسوع المسيح، دعوتني وأرسلتني لأخدم. أعطني أن أتذكر دائمًا هذه الحقيقة. أعطني أن أتذكر دائمًا أنَّ "مَن أَرَادَ أَن يَكُونَ الأَوَّلَ فِيكُم، فَلْيَكُنْ لَكُم عَبدًا". آمين.

السبت ٥/٨/٢٠٢٣                الأسبوع ١٧ من السنة/أ