بين المشهور والمغمور

الكاتب : محمد علي سعيد - طمرة/ عكا

ينقسم الناس الى ثلاثة اقسام من حيث التسويق الإعلامي لأنفسهم. 1- قسم يجيد تسويق نفسه إعلاميا، ويصبح مشهورا واسمه على كل لسان تقريبا (ولو على الصعيد المحلي، على الأقل)، بغض النظر عن قيمته في مجال تسويقه لنفسه. 2- قسم لا يجيد تسويق نفسه إعلاميا، ويبقى مغمورا لا يسمع به إلا القليلون وغالبا من المقربين جدا إليه، وأيضا بغض النظر عن قيمته في مجال تسويقه لنفسه. 3- قسم واقعي معتدل، لا يلهث وراء الإعلام كما القسم الأول وفي الوقت نفسه غير مهمل في حق نفسه، من حين الى آخر.

بين المشهور والمغمور

والأمثلة كثيرة (ولن أذكر أي اسم فهي معروفة للجميع تقريبا)، وفي جميع المجالات: الأدبية والفنية والسياسية والوطنية والاجتماعية وغيرها.. وفي الوقت نفسه لا ننكر دور الإعلام في خدمة وتلميع فئة المشهورين وفي تهميش من يستهدفه لأسباب في نفس يعقوب. وعندما يصبح المدعوم إعلاميا مشهورا حقا بقيمته في مجاله وباعتراف الجميع تتغير المعادلة فيصبح الاعلام يركض وراءه ويطلب رضاه ويزمر ويهلل له، ويصبح هو داعما للإعلام. نستنتج كمحصلة حاصل المعادلة التالية: "ليس كل مشهور مهم وليس كل مهم مشهور".

  • ظاهرة الإسهال الأدبي: ما تقدم يصح في جميع المجالات، ولكني سأقتصر على عالم الأدب. إن سهولة النشر في المنابر الورقية والرقمية مثل: (المواقع الشنكبوتية والمنتديات وصفحات التواصل الفيسبوكية) وفيها تكون المبالغة في المجاملات درجة النفاق بحكم العلاقات الاجتماعية وسياسة "حُكَّ لي فأحُك لك" أو لأهداف أخرى في نفس يعقوب، وفي الآونة الأخيرة بدأت المواقع تعطي شهادات تقدير لكتابها بسبب التنافس فيما بينها.

ومؤخرا نعيش الطامة الكبرى مسرحية هزلية، وهي منح شهادة الدكتوراه الفخرية (والدكتوراة لقب تمنحه الجامعات المعترف بها، نتيجة تقديم وظيفة أطروحة يقدمها الطالب، وأما الدكتوراه الفخرية فتمنحها الجامعات تقديرا لنشاطات ولفعاليات ولإصدارات يقوم بها الطالب فتمنحه حضورا بارزا، وأما لقب بروفيسور فيُعطى بعد شهادة الدكتوراه وبعد أن يثبت الطالب حضوره على المستوى العالمي وذلك بنشر دراسات مُحكّمة في مجلات معترف بها عالميا. بالإضافة الى ازدياد أمسية تكريم أو توقيع للكتاب (بعضهم يرتب لنفسه أكثر من أمسية)، ويدفعون تكاليف الأمسية، وهكذا تشتهر أسماء وتغيب أسماء.

ولا أنسى مساهمة النقد في هذا الوضع الهزلي والهزيل، وعندنا يوجد نقاد مهنيون ونرفع لهم القبعة احتراما، ولكن لا يوجد نقد موضوعي جريء، ويوجد أكثر من سبب، ومن أهمها (بحسب رأيي)، نحن أقلية فلسطينية نعرف بعضنا البعض وتربطنا ببعضنا البعض علاقات اجتماعية وصداقات متينة، وعليه لا يرغب الناقد في خسارة صديقه إذا كتب عنه نقدا موضوعيا لا يرضيه، وفي الوقت نفسه لا يرغب الناقد في خيانة معرفته وضميره، فيتنازل عن كتابة النقد، وإن كتب فإنه يتناول بعض الجوانب الجيدة ويتجاهل الجوانب الضعيفة. بعض النقاد يقدمون ملاحظاتهم (ومهما كانت قاسية وجها لوجه للكاتب)، وفي جلسة تجمع الاثنين فقط. وبكل صراحة أكثر الأدباء يصرحون بأنهم يرغبون في سماع نقد صريح وفي الحقيقة لا يرغبون في ذلك أبدا، ويوجد نقاد (ليسوا من الفئة الجادة والجريئة) يبالغون في مدح الأدباء (والأمثلة كثيرة)، ومؤخرا أيضا تنتشر ظاهرة الاستكتاب الابداعي والنقدي.

  • الغرور والانتفاخ: نتيجة لكل ما تقدم من مجاملات مبالغ فيها الى حد النفاق، ومن حضور إعلامي مجامل، يصدق الكاتب نفسه فينتفخ أناه/ الإيجو كما البالون، ويصبح مقيّما للحركة الأدبية عامة ولإبداع الكتاب خاصة، يتحدث من طرف أنفه وبأسلوب أستاذي، ويوزع شهادات إبداع لكل الجهات ولا يسلم حتى النقاد من رأيه السلبي تجاههم.

على مجمل معطيات هذه الحركة الأدبية أطلقت منذ أكثر من عقد من الزمن مصطلح "ظاهرة الإسهال الأدبي" من حيث الكم الهائل في الإصدارات".

إن هذه الظاهرة (وبكل صراحة ) لا تخيفني فهي كما سباق الماراتون يبدأ بالمئات ويفوز في النهاية وأحد أو اثنان. بالإضافة إلى أنني أومن بمحكمة الزمن فهي لا تظلم أحدا بل تعطي أو تعيد الى كل شخص حقه، وهكذا لا يبقى إلا الجيد، وكما يقولون: لا تبقى في الوادي إلا حجارته (وأضيف) البازلتية وليست الجيرية لأنها لا تتأثر بعوامل الطبيعة كالمطر والريح.