في الله، وفي إخوتي، أبناء الله، أجد نفسي - مرقس ١٢: ٣٨-٤٤

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا

"وَقَالَ فِي تَعلِيمِهِ: إيَّاكُم وَالكَتَبَة، فَإنَّهُم يُحِبُّونَ المـَشْيَ بِالجُبَبِ، وَتَلَقِّيَ التَّحِيَّاتِ فِي السَّاحَاتِ، وَصُدُورَ المـَجَالِسِ فِي المـَجَامِعِ، وَالمـَقَاعِدَ الأُولَى فِي المـِآدِبِ" (٣٨-٣٩).

في الله، وفي إخوتي، أبناء الله، أجد نفسي - مرقس ١٢: ٣٨-٤٤

 

 ٣٨. وقال في تعليمه: إيَّاكم والكتبة، فإنهم يُحِبُّون المشي بالجُبَب، وتَلَقِّيَ التحيات في الساحات 

٣٩. وصدور المجالس في المجامع، والمقاعد الأولى في المآدب. 

٤٠. يأكلون بيوت الأرامل، وهم يظهرون أنهم يطيلون الصلاة. هؤلاء سينالهم العقاب الأشدّ. 

٤١. وجلس يسوع قبالة الخزانة ينظر كيف يُلقِي الجمع في الخزانة نقودًا من نحاس. فألقى كثير من الأغنياء شيئًا كثيرًا. 

٤٢. وجاءت أرملة فقيرة فألقت عُشرَيْن، أي فَلسًا. 

٤٣. فدعا تلاميذه وقال لهم: الحق أقول لكم إنّ هذه الأرملة الفقيرة أَلقَتْ أكثر من جميع الذين أَلقَوْا في الخزانة، 

٤٤. لأنهم كلَّهم أَلقَوْا من الفاضل عن حاجاتهم، وأما هي فإنها من حاجتها أَلقَتْ جميع ما تملك، كلَّ رزقها.

 

في إنجيل اليوم، في كلام السيد المسيح، تحذيران لنا: الحذر من المظاهر، ثم كيفية العطاء.

التحذير الأول: "وَقَالَ فِي تَعلِيمِهِ: إيَّاكُم وَالكَتَبَة، فَإنَّهُم يُحِبُّونَ المـَشْيَ بِالجُبَبِ، وَتَلَقِّيَ التَّحِيَّاتِ فِي السَّاحَاتِ، وَصُدُورَ المـَجَالِسِ فِي المـَجَامِعِ، وَالمـَقَاعِدَ الأُولَى فِي المـِآدِبِ" (٣٨-٣٩). 

المظاهر والثياب الخاصة بالمهمة، أو الرتبة، أو حتى الطقوس الدينية ... والمقاعد الأولى. كل هذا يوجد في حياتنا. هذه أمور ثانوية ضرورية ... لكنها تصبح خطرًا، إن جعلناها هي الجوهر. لنحاول أن نبقى حذرين متنبِّهِين، حتى لا نضيع في المظاهر، ولو كانت ضرورية: يجب أن نبقى دائمًا في حقيقة كياننا وعملنا. والحقيقة هي أننا خُدَّام لإخوتنا وأخواتنا، لخيرهم ولمجد الله. وخيرنا نحن ومجدنا هو خير إخوتنا ومجد الله.

التحذير الثاني، كيفية العطاء. أن نكون مستعدِّين لأن نعطي كل شيء، ولله:

.       "وَجَاءَتْ أَرمَلَةٌ فَقِيرَةٌ فَأَلقَتْ عُشرَيْنِ، أيْ فَلسًا. فَدَعَا تَلَامِيذَهُ وَقَالَ لَهُم: الحَقَّ أَقُولُ لَكُم إنَّ هَذِهِ الأَرمَلَةَ الفَقِيرَةَ أَلقَتْ أَكثَرَ مِن جَمـِيعِ الَّذِين أَلقَوْا فِي الخِزَانَةِ... لأنَّهَا مِن حَاجَتِهَا أَلقَتْ جَمِيعَ مَا تَملِكُ، كُلَّ رِزقِهَا" (٤٢-٤٤).

الأرملة الفقيرة أعطت ما هو ضروري لها. كل ما تقدر أن تعطيه. شيئًا قليلًا. لكنه كل شيء تملكه. أعطته لله، وللفقراء، أبناء الله. غيرها، قبلها، أعطى كثيرًا، لكن من الفائض لديه، ما لا يحتاج إليه. لم يعطوا ذاتهم، أعطوا فقط مالهم.

الله لا يحتاج إلى مال، ولا يحسب عطايانا بكمياتها. نعم، المال يمكن أن يمجد الله، عندما يعطيه الإنسان من القلب، ولله، لا لمجد الناس. ما يمجِّد الله حقًّا هو الإنسان الحرّ، بكل عمل يقوم به بحريته، مهما كان صغيرًا.

البقاء مع حقيقة الأشياء، حقيقة أعمالنا وأقوالنا، وكل نشاطاتنا... لمن ولماذا نتكلم ونعمل؟ يجب الرجوع دائمًا إلى الينبوع، إلى علة وجودنا. لماذا أنا موجود؟ لماذا أتكلم وأعمل؟ أنا إنسان، لمن أنا؟ لسْتُ لذاتي. لأني في ذاتي، ولو ضَمِنْتُ لذاتي كل نجاحات الأرض، لن أجد ذاتي بكاملها. قد أجد بعض لحظات الفرح، والراحة، لكن ما دمت فقط على الأرض، وبين خيرات الأرض، سأشعر دائمًا بشيء ينقصني.

الأول الذي يمنحني ملء ذاتي، هو الله. فله أعطي ذاتي، وله أعمل وأتكلم. ثانٍ يكمِّلني، هم إخوتي، ولهم أعطي أيضًا، عالمـًا أني أعطي لله أبيهم وأبي.

كل إنسان يجد كيانه، وحقيقة كيانه وعمله في الله وفي العطاء لإخوته وأخواته. كم بالحري إنسان مكرَّس لله، وكاهن لله. حقيقة الكيان هي الكيان من أجل الله، ومن أجل أبناء الله. حقيقة أعمالنا، وأقوالنا، وكل حياتنا، هي أن نكون لله خالقنا وأبينا، ولإخوتنا، أبنائه.

إذا سرنا في هذه الحقيقة، وأعطينا، سنعطي من غير حساب. إذاك الله هو الذي يحسب لنا. عندما لا نحسب نحن، الله يحسب لنا. إنه يرى في أعماق كياننا، وفي كل حياتنا. فإذا كان كل شيء فينا لله ولأبناء الله، إذاك أجد ملء ذاتي وكياني، وفرحَ الحياة ومجدها. في الله، وفي إخوتي، أبناء الله، أجد نفسي.

ربي يسوع المسيح، أعطني أن أبقى دائمًا في الحقيقة التي هي: أن أكون وأعمل من أجلك، ومن أجل إخوتي وأخواتي. آمين.

السبت ١٠/٦/٢٠٢٣                      الأسبوع ٩ من السنة/أ