سالم درويش… حين تصمت الموسيقى

الكاتب : د. يوسف حنا – الناصرة – طبيب ومترجم وشاعر

رحل سالم درويش اليوم… رحل دون وداع، وكأن الموت كان أحرصَ منّا على أن يسرق اللحظة الأخيرة، تلك التي كنا نستحقّها معًا بعد صداقةٍ امتدّت قرابة نصف قرن.

سالم درويش… حين تصمت الموسيقى

لا أعرف كيف يمكن للكلمات أن ترثي صديق العمر،

ولا كيف يمكن للمرء أن يكتب عن إنسانٍ كان جزءًا من ذاكرته،

من شبابه، من أحلامه، ومن ذلك الزمن الذي لا يعود.

 

لكنني أعرف شيئًا واحدًا:

أن بعض الأصدقاء لا يغادرون حين يغادرون،

بل يتركون في الروح مكانًا لا يستطيع أحدٌ أن يسكنه بعدهم.

 

يا سالم…

كم من السنوات عبرت بنا،

وكم من الأيام تقاسمتَ فيها معي تفاصيل الحياة،

وكانت الموسيقى جسرنا الأجمل،

لغتنا التي لم تكن تحتاج إلى ترجمة،

والفضاء الذي كانت أرواحنا تلتقي فيه بعيدًا عن ضجيج العالم.

الشاعر د. يوسف حنا

جمعتنا الموسيقى بكل أواصرها الروحية،

وكان لك فيها حضورك الخاص،

بفنك وإبداعك وشغفك،

حتى صار بعض ما أحببناه من ألحانٍ وأغانٍ وذكريات

يحمل شيئًا من ملامحك.

 

اليوم، وأنا أستعيد تلك السنوات،

أشعر أنني لا أرثيك وحدك،

بل أرثي زمنًا كاملًا عشنا بعضه معًا؛

أرثي وجوهًا كانت معنا ثم غابت،

وأماكنَ شهدت ضحكاتنا،

وأحاديثَ امتدت حتى ظننا أن العمر طويل،

وأن أمامنا دائمًا وقتًا آخر للقاء.

 

لكن العمر لا يمنحنا مواعيده مسبقًا.

رحلتَ اليوم

وتركتَ خلفك صمتًا يشبه صمت القاعة

بعد أن تنتهي الموسيقى

ولا يبقى في المكان سوى رجع اللحن.

ولعلّ أكثر ما يؤلمني

أنك لم تقل لنا وداعًا،

ولم تمنحنا فرصة أن نقول لك:

كم كنتَ عزيزًا علينا،

وكم كان لوجودك في حياتنا معنى،

وكم من الذكريات ستظلّ معلّقة باسمك في أعماقنا.

 

يا صديقي…

نصف قرن من الصداقة لا ينتهي بالموت.

إنه فقط يغيّر مكانه.

ينتقل من اللقاء إلى الذاكرة،

ومن الصوت إلى الصمت،

ومن الأيام التي عشناها معًا

إلى تلك التي سنعيشها ونحن نفتقدك.

 

ستبقى يا سالم

في أغنيةٍ نسمعها فجأةً فنلتفت إليك،

في لحنٍ يعيدنا إلى سنوات بعيدة،

في جلسةٍ موسيقيةٍ ينقصها صوتك،

وفي ذاكرةٍ كلما فتحنا بابها

وجدناك هناك…

كما كنت،

قريبًا، مضيئًا،

وممتلئًا بالحياة.

 

سأفتقدك كثيرًا،

ليس لأنك رحلت فقط،

بل لأن جزءًا من تاريخي الشخصي

رحل معك.

نم بسلام يا صديق العمر…

لقد تركتَ لنا من الفن ما يكفي لكي يبقى صوتك،

ومن المحبة ما يكفي لكي لا يغيب حضورك،

ومن الذكريات ما يكفي لكي نلتقي بك كلما عادت الموسيقى.

 

أما أنا،

فسأظلّ أبحث عنك بين النغمات،

لعلّي أسمع في آخر اللحن

ذلك الصوت الذي لم يقل وداعًا.

 

لروحك السلام يا سالم،

يا رفيق نصف قرن،

ويا صديقًا لم يكن عابرًا في العمر،

بل كان من العمر نفسه.

 

إلى أن نلتقي في مكانٍ لا موت فيه،

حيث لا تنتهي الموسيقى،

ولا يضطر الأصدقاء إلى قول الوداع.