الله يكلِّم الصغار - متى ١١: ٢٠-٢٤
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس
٢٥ في ذٰلكَ الوَقتِ تكلَّمَ يسوعُ فقال: «أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَواتِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هٰذه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وكَشفتَها لِلصِّغار. ٢٦نَعَم يا أَبَتِ، هٰذا ما كانَ رِضاك. ٢٧قد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء، فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الِابنَ إِلَّا الآب، ولا مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلَّا الِابْن ومَن شاءَ الِابنُ أَن يَكشِفَه لَه.
الحرب. اليوم ٢٨٥
“في يَومِ ضيقي إِلَيكَ أَصرُخ، لِأَنَّكَ تَستَجيبُ لي. لَيسَ في الآلِهَةِ مِثلُكَ أَيُّها السَّيِّد، ولا شَيءٌ كَأَعمالِكَ" (مزمور ٨٦: ٧-٨).
ارحمنا، يا رب. "في يَومِ ضيقنا إِلَيكَ نصرُخ، في غزة ورفح، وفي كل مكان في هذه الحرب، وأنت، يا رب، لا تَستَجيبُ". ارحمنا، يا رب. استجب، يا رب. نحن أبناؤك. أنت قلت: لو نسِيَتْ الأُمّ رضيعها، أنت لا تنسانا. لكن، يا رب، ها نحن وحدنا، في هذه الحرب. ارحمنا، يا رب. استجب، يا رب. نجِّنا من يد الناس. وما عدا الموت، يوجد الـ٢١ ألف أسير في مكان تعذيب، يقال إنه أقسى من غوانتانامو. يا رب، من كل جهة أبناؤك يصرخون إليك. اسمع، يا رب، ارحم، يا رب، خلِّص، يا رب، واذكر حبَّك. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم
"في ذٰلكَ الوَقتِ تكلَّمَ يسوعُ فقال: «أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَواتِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هٰذه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وكَشفتَها لِلصِّغار. نَعَم يا أَبَتِ، هٰذا ما كانَ رِضاك" (٢٥-٢٦).
الله يكلِّم الصغار. كلُّنا صغار، مجبولون من تراب الأرض. شيء قليل يطفئ نفخة الحياة فينا، فلا نكون. ومع ذلك، نفكِّر أننا كبار. ونريد أن نكون وحدنا، أسيادًا، من دون خالقنا وأبينا. فنقع. ونفقد وعينا. ولا نعود نعرف ماذا نصنع، غير واعين.
الله يقاوم الكبار المتكبرين. ما قاله يسوع في هذه الآية قالته مريم العذراء في نشيد "تعظم": "شَتَّتَ المــُتَكَبِّرينَ في قُلوبِهم. حَطَّ الأَقوِياءَ عنِ العُروش ورَفَعَ الوُضَعاء" (لوقا ١: ٥١-٥٢).
هل أنا بين الصغار أم بين الكبار؟ الكبار يظنّون أنهم يكفون أنفسهم، ولو قاموا ببعض الصلوات بصورة سطحية، ولو فكَّروا أنهم يؤمنون بالله لأنهم يتلون بعض الصلوات ... كم من الصلوات تُتلَى، وليست صلاة، ونحن بعيدون عن الله. الكبار لا يرون. الكبار، وحدهم، من دون الله، بكبريائهم يصيرون إلى كل أنواع العنف والموت.
صغار، متواضعون، سواء مَلَكْنا شيئًا من الأرض أم لا، نبقى قادرين على أن نرى الله، وأن نرى قريبنا. الصغير يرحم. ويهتمّ لكل معذَّب ومحروم. ويدافع عن الضعيف. في نور القريب، في نور الله. من السهل أن نعرف أين نحن في حياتنا، هل نحن متواضعون قادرون أن نرى وأن نسمع صوت الله: إن كنّا نفكِّر في إخوتنا، ولا سيما في الصعوبات، هذا يعني أنَّنا قادرون لأن نسمع الله عندما يكشف لنا حكمته. هذا يعني أننا صغار مَرْضِيُّون لدى الله أبينا، وأننا بين الذين يصنعهم الله كبارًا.
"قد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء، فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الِابنَ إِلَّا الآب، ولا مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلَّا الِابْن ومَن شاءَ الِابنُ أَن يَكشِفَه لَه" (٢٧).
يسوع كلمة الله الأزلي، ابن الله، يعرف سر الآب الذي لا يُدرَك، ويحِبّ الآب، وهو والآب واحد. وإن بقينا نحن "صغارًا"، نعرف مَن نحن، فقراء إلى الله، يسوع يكشف لنا عن الآب، ويدخلنا في أعماق صلاحه، وحبِّه. ويعلِّمنا أن نحِبّه كما يحِبُّنا هو. يعلِّمنا أن نحِبّ، وأن نكون كبارًا، ونساعد إخوتنا وأخواتنا ليكونوا كبارًا بمعرفتهم للآب.
"سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء"، كل شيء، والكون كله. وأنا لله، ولنفسي. أنا معه حرّ، عبد للا أحد، وللا شيء.
"فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الِابنَ إِلَّا الآب، ولا مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلَّا الِابْن". هذه هي المعرفة، مصدر كل معرفة. معرفة سر الله، لا نظريّة مجرَّدة، بل الله الحي، الأب، الذي يحِبّ، ويمنح الحياة والحبّ.
ربي يسوع المسيح، قلْتَ لنا إن الآب ينظر إلى الصغار. أعطنا أن نعرف كيف نبقى صغارًا، وكيف نكبر ونبقى صغارًا، وكيف نعرفك ونبقى مع إخوتنا وأخواتنا، في كل شدائدهم. آمين.
الأربعاء ١٧/٧/ ٢٠٢٤ بعد الأحد الخامس عشر من زمن السنة/ب






