الأسبوع الأول من المجيء، السنة/أ – متى ٩: ٢٧-٣١
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا
"وَمَضَى يَسُوعُ فِي طَرِيقِهِ فَتَبِعَهُ أَعمَيَانِ يَصِيحَانِ: رُحمَاكَ، يَا ابنَ دَاوُد!" (٢٧). ربي يسوع المسيح أعطني أن أعرف أني محتاج إليك. أن حياتي هي سير إليك. ومعك. حتى يكون زمن الميلاد زمن فرح، وزمن ارتباط بالأبدية. آمين.
٢٧. ومضى يسوع في طريقه فتبعه أعميان يصيحان: رحماك يا ابن داود!
٢٨. فلما دخل البيت دنا منه الأعميان. فقال لهما يسوع: أتؤمنان بأني قادر على ذلك؟ فقالا له: نعم، يا رب
٢٩. فلمس أعينهما وقال: فليكن لكما بحسب إيمانكما.
٣٠. فانفتحت أعينهما. فأنذرهما يسوع بلهجة شديدة قال: إياكما أن يعلم أحد
٣١. ولكنهما خرجا فشهراه في تلك الأرض كلها.
"وَمَضَى يَسُوعُ فِي طَرِيقِهِ فَتَبِعَهُ أَعمَيَانِ يَصِيحَانِ: رُحمَاكَ، يَا ابنَ دَاوُد!" (٢٧).
يسوع مضى في طريقه. وما هو طريق يسوع، وإلى أبن يسير؟ ما وجهته؟ وجهة يسوع هي الآب. لنَذكُر دائمًا قوله: أنا والآب واحد. ولا أحد يعرف الآب إلا الابن. وجهة يسوع، هي الآب. وجهته هي ذاته، كلمة الله، وابن الله، إلهًا واحدًا مع الله الواحد. وِجهتُه هي القفر حيث يعتزل مع الله أبيه وهناك يطيل الصلاة، أي يطيل البقاء مع الآب.
ووجهة يسوع الثانية هي الإنسان. هي كل الناس. هي أنا وأنت. يسوع يسير، يبحث عن الخروف الضال، عن كل الناس، وعني بصورة خاصة، وعنك بصورة خاصة.
مضى يسوع في طريقه، لا ليبتعد، لا ليترك الإنسان وراءه، بل كل إنسان أمامه. مضى في طريقه يبحث عني، وعنك.
هل أسير أنا على طريقه؟ الأعميان عرفا حاجتهما إلى يسوع وتبعاه يصرخان. عرفا نفسهما، أنهما لا يريان، ويريدان أن يَرَيَا، يريدان أن يبرآ، عرفا نفسهما، وعرفا أن يسوع قادر على أن يرُدَّ إليهما البصر.
معرفة الذات ومعرفة الله. بهذه المعرفة يعيش الإنسان. تعيش الإنسانية لو عرفت. أعيش أنا. معرفة الله خالقي وأبي ومُحِبّي. ومعرفة ذاتي، أني على صورة الله، وأن مصيري أن أكون على صورة الله، وأن ألتقي أنا أيضًا بالله، هنا في متاهات الأرض، وبعدها في الأبدية مع الله.
أعرف ذاتي فأعرف علاقتي مع الله. علاقتي أنا هي أن أراه. هي أن أسمو فوق نفسي، وضعفي، وعثراتي، وخطاياي، فوق ذاتي، ورغباتي، وطموحات الأرض كلها حتى أنظر وأرى أمورًا ليست من الأرض، "ما لم تسمع به أذن ولا رأته عين، ولا خطر على قلب إنسان".
أعرف ذاتي، وأني صغير وفقير، ولو ملكت الأرض كلها، صغير وفقير بكل مواهبي، لأني أكون، فقط بما يصنعني الله.
أعرف حاجتي إلى الله، فأسير أنا أيضًا خلف يسوع، وأصيح: ارحمني، يا رب، لأني خاطئ. لأني لا أعرف كيف أصل إليك. أضِلُّ مرارًا ويغيب الأفق عن عينيّ، فلا أعود أعرف إلى أين أتجه. ارحمني، بنورك اهدني، حتى أسير معك، وأجد نفسي، فأكون، وأحيا، بالحياة الوافرة التي تمنحني إياها.
"فَلَمَّا دَخَلَ البَيتَ دَنَا مِنهُ الأعمَيَانِ. فَقَالَ لَهُمَا يَسُوع: أَتُؤمِنَانِ؟"(٢٨).
عندما نلتقي بيسوع، وقد التقينا به منذ بدء حياتنا، ومنذ دعانا لنتبعه. ويسوع يسألنا دائمًا: أتؤمنون؟ أما زلتم تؤمنون مثل إيمانكم يوم التقينا، يوم دعوتكم وقلتم: ها أنذا. أما زلتم عند كلمتكم؟ بين خيرات الأرض وشروها، أما زلتم تريدون أن تكونوا ما أنتم، أن تكون وجهتكم هي أنا الذي دعوتكم وأرسلتكم "لتُحِبُّوا"، تحِبُّوني، وتحِبُّوا إخوتكم، وتبذلوا أنفسكم في سبيلي وفي سبيل إخوتكم؟
زمن الميلاد زمن سهر ويقظة وانتظار لمجيء الرب. انتظار لتحويل حياتنا على الأرض إلى حياة في الأبدية، مع الله، اليوم، على الأرض. عيد الميلاد نحتفل به اليوم على الأرض، لكن قلوبنا وأنظارنا في الأبدية.
ربي يسوع المسيح أعطني أن أعرف أني محتاج إليك. أن حياتي هي سير إليك. ومعك. حتى يكون زمن الميلاد زمن فرح، وزمن ارتباط بالأبدية. آمين.
الجمعة ٢/١٢/٢٠٢٢






