الـبـوتــقــة المـظـلـمـة
الكاتب : أديب جهشان- مؤسس مسرح السرايا العربي – يافا
تعيش الأمة العربية في عالم متحضر ومتطور، عالم مادي وتجاري فيه الكبير والصغير، القوي والضعيف، الطويل والقصير، الشرق والغرب، الشمال والجنوب وفيه أمة عربية من الخليج الى المحيط .
أمة تبحث في هذا العالم عن مكان آمن، متحضر، متطور، قوي، مبدع وله استقلالية ذاتية بالاقتصاد، العلم، الفنون، البناء، الانتاج والكثير الكثير من الأمور الهامة التي من الممكن ان تضع الامة في مكانة مرموقة مع شعوب العالم .
ولكن الواقع غير ذلك، فالشعوب العربية لديها القوى البشرية الهائلة، الطاقات، المال، العلم، العلماء، الابداع والفنون ولكنها لا تملك الإرادة ولا تملك القرار لتثبيت مكانتها في المجتمعات الدولية. بعض الدول العربية لديها مقدرة اقتصادية تتيح لها ان تحكم بدلا من ان تكون محكومة، وان تكون صاحبة قرار وتقرير على المستوى العالمي، فلديها وسائل استثمار طائلة ولكن ينقصها اتخاذ قرار بذلك وتحقيقه.
في الواقع، الغرب هو الذي يحرك العالم في وسائل الاعلام والفنون والعلوم ومجالات أخرى. ونجد الأثرياء من رجال الأعمال العرب يدعمون هذه المكانة اذ يُغرقون الدول الغربية بأموالهم الطائلة، ويتركون شعوبهم تبحث بين رمال الصحاري عن أمل ووسيلة تخرجهم من البوتقة المظلمة التي يعيشون بها الى عالم آخر، عالم النور وعالم الحياة .
يبدو ذلك واضحا عندما نشاهد أثرياء العرب يتصدرون ملاعب كرة القدم الأوروبية، وابتسامة عريضة تشع من وجوههم لأن الأموال العربية الطائلة استثمرت بفرق كرة القدم الأجنبية، وذلك بالأساس ليشاهدوا لاعب كرة قدم من البرازيل او الارجنتين يداعب الكرة في ملاعب مدريد، لندن، باريس وروما وعواصم أوروبية أخرى. تخيلوا لو ان هذه الاموال اُنفقت على مشاريع عربية لتطوير العلم، المصانع، الفنون، المستشفيات، الجامعات، الرياضة، المسارح، السينما والانسان العربي بشكل عام .
اليس من الاحق ان تُستثمَر هذه الاموال في العالم العربي بدل من ان تضيع بين مباراة وأخرى، وبين فريق وفريق وبين لاعب ولاعب وبين حسناء وحسناء وبين شقراء وشقراء .
المطلوب من اصحاب الاموال التفكير بأوضاع الشعوب العربية ومستقبل الأجيال الشابة، في مجال الرياضة والفنون والعلم وكل نواحي الحياة لبناء ما دمرّه الغرب الذي استعمر الشعوب العربية سنين طويلة، ولرفع مستوى الانسان العربي الى مكانة مرموقة في هذا العالم المتوحش والناكر والمتنكر لحقوق شعوبنا العربية .
يجب ان يأتي التغيير، تغيير بالتفكير والتخطيط والبرمجة المتطورة لدعم عالمنا وشعوبنا التي افترسها الغرب. هذه البرمجة هدفها تغيير الحياة والفكر ليكون عندنا إعلام وعلماء وادباء وباحثون وفنانون أمثال ادوارد سعيد، هشام شرابي، غسان كنفاني، نجيب محفوظ، جبران خليل جبران وآخرون من العلماء في عالم الفلك، الذرّة، الهايتك، الطب، الهندسة وغيرها وفنانون في عالم السينما والمسرح. متى تستطيع الامة العربية ان تنهض معا لعالم عربي جديد مبدع ومستقل؟
الجميع يعرف كيف كانت الدولة السورية على وشك الاكتفاء الاقتصادي الذاتي، وكيف كان وضع العراق قبل الاحتلال وماذا فعلت يد العدو العربي والاجنبي، وكيف لا يزال الغرب يدعم تدمير الدول العربية من اجل استمرار سيطرته عليها وعلى الموارد الطبيعية التي تمتلكها.
علينا ان نكون امة محترمة يحترمها العالم ويأخذها بعين الاعتبار. أمة داعمة لشعوبها مستقلة ذات موقع بين شعوب العالم، علينا ان نخرج من الهوامش الى المركز علينا ان ننهي عصر طمس وهتك هويتنا العربية. نحن بحاجة لتغييرات جذرية وخطوات جريئة من خلال استراتيجية لرفع راية الامة وازدهارها لمواكبة التطورات العالمية حتى لا نبقى حيث وضعنا العالم الغربي في مؤخرة مسيرة التطور. علينا ان نعمل على بناء ما دمره الغرب وما سوف يستمر بتدميره في فلسطين، سوريا، العراق، لبنان، اليمن، ليبيا، مصر ....
على الأمة العربية ان تمتلك الارادة الذاتية للتغيير من اجل مصلحة شعوبها، كي تصبح أمة ذات سيادة في أوطانها من اجل مستقبل افضل حتى نخرج من بوتقة الظلام الى عالم النور .





