أنتم ملح ونور، للغير، لجميع الناس - متى ٥: ١٣-١٦

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس

١٣ أَنتُم مِلحُ الأَرض، فإِذا فَسَدَ المـِلْح، فأيُّ شَيءٍ يُمَلِّحُه؟ إِنَّه لا يَصلُحُ بَعدَ ذلك إِلاَّ لأَنْ يُطرَحَ في خارِجِ الدَّار فَيَدوسَه النَّاس. ١٤ أَنتُم نورُ العالَم. لا تَخْفى مَدينَةٌ قائِمَةٌ عَلى جَبَل، ١٥ ولا يُوقَدُ سِراجٌ وَيُوضَعُ تَحْتَ المِكيال، بل عَلى المــَنارَة، فَيُضِيءُ لِجَميعِ الَّذينَ في البَيْت. هكذا فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات."

أنتم ملح ونور، للغير، لجميع الناس - متى ٥: ١٣-١٦

الحرب ٢٤٦

        "مَراحِمُكَ كَثيرَةٌ، أَيُّها الرَّبّ، فأَحْيِني بحَسَبِ أَحْكامِكَ. مُطارِدِيَّ ومُضايِقِيَّ كَثيرون، وأَنا لم أًحِدْ عن شَهادَتِكَ" (مزمور ١١٩: ١٥٦-١٥٧).

        "مَراحِمُكَ كَثيرَةٌ، يَا رَبّ". أنت المحبة. أنت أبي. وحبُّك لا قياس له. أبي، انظر إلى حماقة الناس في غزة ورفح، إلى المجازر، وغياب كل رحمة أو حنان، سوى حنان الأمهات اللواتي ينظُرْنَ عاجزات إلى أطفالهن يموتون بين أيديهنَّ. أبي، إنّا نجرؤ ونرفع نظرنا إليك، ونتضرع إليك نسألك من أجل جميع المعذبين في هذه الحرب ... " مُطارِدِيَّ ومُضايِقِيَّ كَثيرون". لكن أنت الإله الوحيد، أنت القوي والكلي الصلاح، وتقدر أن توقف شر الناس. أبتِ، أنا أومن، وأرجو حنانك، ستنجينا من هذه الحرب. ارحمنا، يا رب.

        إنجيل اليوم.

        ما يريد يسوع أن نكون، ما يريد أن يكون كل تلميذ يتبعه.

        "أنتُم مِلحُ الأَرض، فإِذا فَسَدَ المـِلْح، فأيُّ شَيءٍ يُمَلِّحُه؟ إِنَّه لا يَصلُحُ بَعدَ ذلك إِلَّا لأَنْ يُطرَحَ في خارِجِ الدَّار فَيَدوسَه النَّاس. أَنتُم نورُ العالَم. لا تَخْفى مَدينَةٌ قائِمَةٌ عَلى جَبَل، ولا يُوقَدُ سِراجٌ وَيُوضَعُ تَحْتَ المِكيال، بل عَلى المــَنارَة، فَيُضِيءُ لِجَميعِ الَّذينَ في البَيْت. هكذا فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات" (١٣-١٦).

        أنتم ملح ونور، للغير، لجميع الناس. مسؤولية إعطاء معنى للحياة. مسؤولون عن الجميع. عن كل إنسان، من دون استثناء. يجب أن نعي ذلك، أنا مسؤول عن كل إنسان. لله، ولكل مؤمن بالله، كل إنسان يهمني. لا أحد غريب. لا حواجز ولا حدود. لا الديانة ولا القومية، ولا الحرب نفسها. مؤمن بالله، تلميذ ليسوع، معناه: مسؤول عن كل إنسان.

        الحياة الوافرة، حياة الله، في الجسد والروح، والاهتمام بكل إخوتي وأخواتي. الجميع، من دون استثناء.

        ملح ونور، لأنفسكم، ولغيركم. ولستم عددًا. إيمانكم، مسؤوليتكم في البشرية، في بلدكم، في مجتمعكم، لا يتوقف على عددكم. أنتم موجودون، وقبلتم عطية الإيمان، فأعطوا مما أخذتم. واحد يقدر أن يعمل كل ما جعله الله قادرًا أن يعمل، كل شيء، أن يكون ملحًا ونورًا، وأن يعطي معنى للحياة، لكل المعذبين في الأرض، لكل الذين لا يرون. الله جعل من كل واحد منا عطية لإخوته وأخواته. اخرجوا من أنفسكم، من مسكناتكم، من مفهوم الأعداد الكبيرة أو القليلة، لتكونوا ملحًا ونور الله، للجميع.

        لستم لأنفسكم، أنتم لغيركم.  أنتم ملح لحياة غيركم. ونور لغيركم. لا لتختبئوا في ذاتكم، في أنانيتكم، أو زهوكم، أو طلب المجد لأنفسكم. لا تَخْفى مَدينَةٌ قائِمَةٌ عَلى جَبَل، ولا يُوقَدُ سِراجٌ وَيُوضَعُ تَحْتَ المِكيال، بل عَلى المــَنارَة، فَيُضِيءُ لِجَميعِ الَّذينَ في البَيْت"، في بيت الله الكبير، في الكون. أنتم أكبر من أنفسكم، أنتم نور من نور الله، ويمكن أن تضيئوا كل بيت الله.

        حياتكم لكم ولغيركم. أنتم سند لغيركم. أنتم ملح ونور. فالأنانية واللامبالاة، وإهمال الغير في حاجاتهم وآلامهم، هذا توجُّهٌ عكس تيار الحياة، عكس معنى الحياة، ونقيض لما يطلب الله من كل إنسان: أن يكون ملحًا ونورًا للجميع.

        ربي يسوع المسيح، أعطني أن أفهم ما معنى أن أكون ملحًا ونورًا، في حياتي كل يوم، لإخوتي وأخواتي. أعطني أن أخرج من ذاتي، حتى أتمم مشيئتك، أن أكون ملحًا ونورًا في جماعة المؤمنين وفي كل مجتمعي. آمين.

الثلاثاء ١١/٦/ ٢٠٢٤            بعد الأحد العاشر من زمن السنة/ب