أَقدَمُ بيت في الشّعر العربيّ يشير إلى عيد الشّعانين
الكاتب : د. إياس يوسف ناصر- شاعر وباحث ومحاضر في اللغة والآداب العربية
احتفلت الكنيسة الشّرقيّة هذا الأسبوع بعيد الشّعانين، وهو اليوم الذي دخل فيه السّيّد المسيح له المجد أورشليم، فاستقبلته الجموع بفرح عظيم، وافترشوا أغصان الشّجر في الطّريق تمجيدًا له، كما يقول القدّيس متّى الإنجيليّ البشير في الأصحاح الحادي والعشرين من بشارته.
وقد وردت الإشارة إلى عيد الشّعانين في نصوص مختلفة وأطوار متعدّدة من الأدب العربيّ، غير أنّ أقدَمَ بيت في الشّعر العربيّ يشير إلى هذا العيد بيتٌ قاله النّابغة الذّبيانيّ، وهو الشّاعر الألمعيّ الّذي قضى نَحْبَهُ نحو سنة 604، والذي عدّه النّقّاد القدماء من أشعر الشّعراء العرب. وليس أَدلّ على ذلك من نفائس قصائدِهِ التي تصوّر شاعرًا فصيحًا بليغًا، مَلَكَ ناصيةَ اللّغة وأَخَذَ بأَعِنّة الفصاحة، حتّى كان الشّعراء يحتكمون إليه في سوق عكاظ، ويتنافسون بين يديه، ويَعرضون أشعارَهم عليه فيقضي بينهم.
وقد ورد هذا البيت في قصيدة قالها النّابغة الذّبيانيّ في مدح ملوك الغساسنة، والغساسنة قبيلة عربيّة مسيحيّة أَنشأتْ مملكة عظيمة في بلاد الشّام، فحكمت هذه البلاد من القرن الثّالث إلى القرن السّابع، وكانت «الجَابِيَة» في الجولان حاضرةَ مُلْكِهم وعاصمةَ سلطانِهم كما كانت «جلّق» حاضرة من حواضرهم قرب دمشق. وهم يُعرَفون بالغساسنة، وبآل غَسَّان، وبآل جَفْنَة، نسبةً إلى جدّهم جَفْنَة بن عَمْرو.
سار النّابغة الذّبيانيّ من العراق إلى بلاد الشّام قاصدًا الغساسنة، ليمدحَهم ويصوّرَ شمائلَهم، فأشار في قصيدته إلى يوم الشّعانين. قال: «رِقَاقُ ٱلنِّعَالِ طَيِّبٌ حُجُزَاتُهُمْ / يُحَيَّوْنَ بِٱلرَّيْحَانِ يَوْمَ ٱلسَّبَاسِبِ» (ديوان النّابغة الذّبيانيّ، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، 47). والمعنى: يصف لباسَهم الذي يدلّ على عيشهم النّاعم المترف، ويشير إلى عفّتهم ونقائهم، ويصوّر احتفالَهم بعيد الشّعانين. وقد وصف الشّاعر هذا العيد بيوم السّباسب؛ لأنّ السّباسب نوعٌ من الشّجر كانوا يتّخذون أغصانَهُ في هذا اليوم البهيج، فصار هذا العيد يُعرَف بيوم السّباسب. هذا هو الشّاهد الأقدم في الشّعر العربيّ كلّه على عيد الشّعانين، وهو يعود بنا إلى أكثر من ألف وأربعمئة سنة، ويصوّر لنا مظاهر الاحتفال عند بني غسّان، وقد اتّخذوا الزّهر والرّيحان والأغصان في هذا اليوم الّذي يسبق الفصح المجيد.
ونلاحظ في هذا البيت أمرين مهمّين: الأوّل أنّ الشّاعر ما كان ليشير إلى عيد الشّعانين لولا عناية الغساسنة بهذا العيد، ولولا انتماؤهم العظيم إلى كنيسة سيّدنا يسوع المسيح له المجد. وأكبَرُ الظّنّ أنّ الشّاعر قد خالطهم وآنَسَ هذا الانتماء فيهم؛ فقد تيسّر له أن يشاهدَ العيدَ، ويتأمّلَ رونقَهُ وبهاءَهُ، ويقفَ عند مشاهد البهجة والفرح فيه، ويَعرفَ أنّه عيدٌ محبَّبٌ إليهم أثيرٌ عندهم، وهو ما دفعه دفعًا إلى وصفه واتّخاذه وسيلةً من وسائل الثّناء عليهم والإشادة بفضلهم. والأمر الثّاني أنّ الشّاعر قد أشار إلى أحد الشّعانين بيوم السّباسب؛ لأنّ يوم السّباسب كان فيما يبدو الاسم الشّائع المألوف عند الغساسنة في هذه الأرض من بلاد الشّام، على حين أنّ يوم الشّعانين كان الاسم الشّائع في العراق؛ فقد رُوي عن الشّعراء في العراق ما يدلّنا على ذلك.
هذه وقفة عجلى وقفتُها عند أوّل بيت في الشّعر العربيّ يشير إلى عيد الشّعانين، وهو دليل على أثر المسيحيّة في الأدب العربيّ وعلى المكانة الخاصّة التي تستأثر بها، وما كانت هذه الوقفة إلّا قطرة من بحر نستجلي فيها جانبًا صغيرًا من هذا الموضوع الكبير."







