وداعًا أخي ناصر.. وداعًا سعادة القاضي

الكاتب : المحامي فريد غانم، رئيس بلدية المغار

القيامة - نصّ الكلمة التي ألقاها، المحامي فريد غانم، رئيس بلدية المغار خلال مراسيم تشييع جثمان القاضي ناصر جريس جهشان، يوم الجمعة 19.1.2024، وقد ربطت بينهما صداقة متينو وخاصة، كونهما ينحدران من نفس البلدة وعملا في نفس المجال في القانون والقضاء.

وداعًا أخي ناصر.. وداعًا سعادة القاضي

وداعًا أخي ناصر،

وداعًا سعادة القاضي.

قبل شهور، حين كنتَ ما تزالُ تحمل نفسَك بنفسِك، وتشقى كي ترسم بسمةً على شفتيك وتطلقَ باقةً من الأبجديّة، قلت إنّك تنوي أن تعود إلى بلدك المغار، كي تعيش فيها ما تيسّرَ من بقيّة. وها أنت، يا أخي، تعود محمولًا على الأكتاف، لكنك ستنقشُ اسمك على صخر الجبل وتنبضُ في قلوبنا حتى آخر الدّهر، وتملأُ وادينا سنابل.

ناصر، اسمٌ على مسمّى،

هو نسيمٌ رطبٌ على المحيّا،

زهرةٌ يانعةٌ تزيّنُ تاريخ هذا البلد العريق.

وهو أبو بشارة، تيمّنًا بعمّه طيّب الذّكر بشارة الحبيب، وإيمانًا بالبشائر القادمة مثل عصافير الفرح.

تعرّفتُ إلى ناصر قبل عقود، في مكان ضاع من الذّاكرة. حينها أيضًا كان وظلّ يفكّر قبل أن يقول، ولا يقولُ إلّا ما يرضي. هادئًا وعميقًا مثل المياه الجوفيّة، قويّا بمرونته، صائبًا مثلَ صقرٍ يحطُ من الأعالي، حكيمًا كنملِ سليمان، كريمًا كأنّه حاتم. ثمّ التقينا والتقينا، في بيت والديه وفي تعاريج الحياة والمواقف، فكان على الدّوام بحرًا في الثقافة، مريحًا مثل أرائك الحرير، شفّافًا ومُبصرًا مثل النّوافذ العالية، وربيعًا جميلًا على النّاس أجمعين.

قد ترحلُ اليوم، يا سعادة القاضي، يا أخي، لكنّك باقٍ هنا، باقٍ في لوزتِنا وتينتنا وزيتونتنا وشتلة الزّعتر،

باقٍ أنت معنا، يا ناصر، سروةً باسقةً، ترشدُ السّنونو إلى بيوت المغار القديمة، والخضّر إلى ينابيعنا والفيء إلى شجرِ الأوّلين، وسوف تظلّ تجمع لنا الفصولَ في شَهدِ عينيك.

وداعًا أخي، وداعًا.

في انتظار لقائنا الذي لمّا يتمّ.

القاضي المرحوم ناصر جهشان

المحامي فريد غانم، رئيس بلدية المغار