نداء المبادرة المسيحية الفلسطينية (كايروس فلسطين) في عيد الميلاد المجيد ٢٠٢٤

نداء إلى شعبنا الفلسطيني من أجل العمل معا، والصبر والصمود والأمل في وجه الشدائد "أرسِلْ رُوحَكَ، يا رب، فَيَتَجَدَّدَ وَجهُ الأرضِ" (مزمور ١٠٤: ٣٠)

نداء المبادرة المسيحية الفلسطينية (كايروس فلسطين) في عيد الميلاد المجيد ٢٠٢٤

في الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق وثيقة كايروس فلسطين "وقفة حق"، واقتراب موسم عيد الميلاد، نتذكر المظالم المستمرة التي تُفرَضُ على شعبنا في يومنا هذا. بدأت هذه الوثيقة، بكلمة إيمان وأمل ومحبة من قلب المعاناة الفلسطينية، ولا تزال يتردد صداها بعمق في حياة كل فلسطيني، وخاصة الذين تحملوا وطأة أكثر من سبعة عقود من الاحتلال الإسرائيلي والفصل العنصري، والسعي للإبادة الجماعية. وبينما نتأمل في ميلاد أمير السلام، نتذكر أن رسالة العدالة والكرامة والمصالحة ما زالت مُلِحَّة أكثر من أي وقت مضى. وتظل وثيقة كايروس بمثابة إعلان لإرادتنا الجماعية من أجل العدالة والسلام والحرية للجميع.

ومع ذلك، ها نحن، بعد خمسة عشر عاماً، وسط إبادة جماعية مستمرة، بعد مرور عام وشهرين على حرب الإبادة اللاإنسانية في غزة والضفة الغربية. ويظل المجتمع الدولي صامتًا، والمعاناة مستمرة. كمسيحيين، نحن مدعوون إلى السير بشكل وثيق مع إخوتنا وأخواتنا، والثبات في إيماننا، وتجسيد المرونة والأمل اللذين دعما شعبنا خلال هذه الشدائد. هذا هو الوقت المناسب للتأكيد من جديد على أن وجودنا في هذه الأرض ليس عرَضًا، بل هو متجذر في تاريخ وجغرافيا هذه الأرض ويجب أن نشجع بعضنا البعض للبقاء والثبات ومواصلة نضالنا الجماعي من أجل الحرية والعدالة.

في هذه اللحظة الحرجة، أصبح دور الكنيسة في فلسطين أكثر حيوية من أي وقت مضى. وبينما نقدِّر بشدة الجهود الدؤوبة التي تبذلها كنائسنا في خدمة المجتمع - توفير الدعم الروحي والإغاثة والمناصرة – إنما ندرك أن هناك حاجة إلى المزيد. تواجه مجتمعنا تحديات غير مسبوقة، وينتظر المؤمنون من الكنيسة أن تسير معهم بشكل وثيق، لتكون مصدر قوة روحية ومصدر دعم عملي وتضامن.

إنا نسأل قادة كنائسنا والكهنة والمؤمنين العلمانيين أن يعملوا جاهدين لتعزيز الصمود داخل رعايانا، لتشجيع المؤمنين للثبات في وجه الظلم، وليجدوا القوة في الصلاة، وليكون إيمانهم لهم مصدر صبر واحتمال. ثم نحن بحاجة إلى مزيد من التضامن العملي. فبالإضافة لكل ما تقدمه الكنيسة، هناك حاجة جديدة إلى المزيد من التضامن، لدعم العائلات التي فقدت أراضيها ومنازلها وأحباءها، ولمساعدة المحتاجين إلى الرعاية الطبية والصحة النفسية، وتوفير الموارد لمساعدة الناس على إعادة بناء حياتهم في هذا الوقت من الدمار.

كما ندعو إلى إنشاء مساحات آمنة داخل كنائسنا حيث يمكن للمسيحيين الفلسطينيين أن يلتقوا معًا – للتعبير عن حزنهم والصلاة ولتوضيح الرؤية في كيفية مواصلة المقاومة بطريقة سلمية وكريمة، للظلم المفروض عينا. فتكون هذه المساحات مناسبة للحوار ولمنح القوة والوحدة المجتمعية التي نحتاج إليها في أوقات الانقسام هذه.

كمسيحيين، نحن مدعوون إلى أن نبقى صامدين مرنين نقوي بعضنا البعض. ليس الطريق أمامنا سهلًا، وقد تزداد المعاناة، ولهذا نقوي بعضنا البعض، لنثبت على الرجاء صابرين، متذكرين وعد ربنا: "قد غلبت العالم" (يوحنا 16:33). وكما قال البطريرك ميشيل صباح في كلمته في الذكرى الخامسة عشرة لمؤتمر كايروس فلسطين:

"في مواجهة الإبادة الجماعية والمصادرة والتطهير العرقي، نقول كلمة تعزية وثبات وأمل لشعبنا في غزة وفي كل فلسطين. اصبروا، إن الله معنا، وسيشرق علينا يومًا بعدله وسلامه".

في هذه الأيام المظلمة، لنكُنْ نورًا بعضنا لبعض. الصمود المسيحي هو تحمُّل المصاعب والعمل بالتضامن مع الآخرين، بغض النظر عن عقيدتهم. يجب أن ندرك أن إخواننا وأخواتنا في الجماعات الدينية الأخرى، وخاصة المسلمين، معاناتهم أيضًا كبيرة. سلام المجتمع المدني والتضامن مع مواطنينا المسلمين أمر بالغ الأهمية. ويجب علينا تكثيف الجهود لتعزيز التعاون بين الأديان والعمل معًا من أجل الخير العام لجميع الفلسطينيين.

في وقت المجيء هذا، وبينما نستعد للاحتفال بعيد الميلاد، على المسيحيين الفلسطينيين أن يستمروا في كونهم صوت السلام والعدل والمصالحة في عالم منقسم. هذا هو الوقت المناسب لتعميق إيماننا، والمشاركة وتوحيد الناس على الرغم من الاختلافات السياسية والدينية، وتعزيز أواصر الوحدة بين جميع مكونات المجتمع الفلسطيني. بروح المرونة والصمود، نحث كنائسنا ومجتمعاتنا على تعزيز رعايتها الرعوية وتقديم دعم منتظم لأولئك الذين يعيشون في خوف، وخاصة العائلات التي فقدت أحباءها أو بيوتها، لتنظيم اجتماعات الصلاة والاستشارة ومجموعات الدعم للشفاء النفسي والروحي، للدفاع عن العدل على الساحة الدولية، وللكلام علناً على الاحتلال المستمر، والتهجير القسري للفلسطينيين، وانتهاكات حقوق الإنسان التي لا نزال نواجهها.

ونحث الكنيسة لإعلاء صوت من لا صوت لهم، بزيادة الوعي في الدوائر الدولية، وبتعزيز التضامن بين الأديان وتعزيز الشراكات مع المجتمعات العلمانية والإسلامية وغيرها من المجتمعات الدينية، وبتنظيم مبادرات مشتركة من أجل السلام والعدالة الاجتماعية لنكون متحدين في كفاحنا المشترك من أجل الحرية والكرامة الإنسانية. وايضاً نحث على تشجيع الصمود المجتمعي والاكتفاء الذاتي بين الفلسطينيين ومواصلة وتعزيز البرامج والمبادرات التنموية. وأخيرًا، نحث على توعية الكنيسة العالمية ودعوة المجتمع المسيحي العالمي لمواصلة التضامن معنا.

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء: نحن الآن في مرحلة حرجة، وقوتنا تعتمد على تضامننا بعضنا مع بعض. ونحن ندعو كنائسنا إلى الثبات في الإيمان، وتشجيع بعضنا البعض، ودعم بعضنا البعض، والعمل بلا كلل من أجل السلام والعدالة. لنتذكَّرْ دائمًا أننا جزء من حركة عالمية أكبر من أجل العدالة وأن أملنا، المتجذر في محبة الله وعدله، سيؤدي يومًا ما إلى تحقيق وعوده بالسلام والحرية والكرامة لجميع الناس.

باسمه تعالى نبقى صابرين مؤمنين بحقنا في الحياة، ونجدد إيماننا بالله ونقول: "آمَنْتُ، يا رب، حَتَّى حِينَ قُلتُ: إنَّ بُؤسِي لَشَدِيدٌ" (مز ١١٥: ١٠)

نسأل الله لكم ولكل أرضنا المعذبة أن يملأها بعدله وسلامه.

كايروس فلسطين