موقع "القيامة" يلتقي الدكتور مازن نصر الله في حديث عن الأميبا «آكلة الدماغ»: ماهيتها، خطورتها، علاجها
القيامة - توفي يبلغ من العمر نحو 9 سنوات بالتهاب حاد في الدماغ، نتيجة إصابته بأميبا Naegleria fowleri، المعروفة باسم "الأميبا آكلة الدماغ"، بعد مكوثه أسبوعين في المستشفى بعدما سبح في بحيرة طبريا قبل نحو أسبوع من إدخاله إلى المستشفى. للوقوف على طبيعة هذه الأميبا، وكيفية وصولها إلى جسم الإنسان والدماغ، والأعراض التي قد تسببها، ولماذا ترتبط الحالات بصورة أكبر بالمياه العذبة الدافئة وفصل الصيف، إلى جانب الوسائل التي يمكن من خلالها تقليل خطر الإصابة، التقى موقع "القيامة" الدكتور مازن نصر الله وهو طبيب أطفال ومدير "مركز كريم نصرالله الطبي" في شفاعمرو.
القيامة: ما هي الأميبا وماذا يميزها عن الفيروسات الأخرى؟
د. مازن: الأميبا هي كائن حي مجهري وحيد الخلية، ويميزها عن الفيروسات التي تختلف من حيث بنيتها وطريقة تكاثرها. وعندما نتحدث بصورة عامة عن الأميبا فهذا لا يعني بالضرورة أننا نتحدث عن مرض خطير، لكن النوع الذي نتحدث عنه هنا مختلف، وهو من الأنواع التي يمكن أن تسبب مرضًا شديد الخطورة. والحالات المرتبطة بهذه الأميبا في البلاد ما تزال قليلة جدًا، وهو ما يعكس مدى ندرة الإصابة، إلا أن ندرتها لا تقلل من خطورتها في حال حدوث العدوى.
القيامة: كيف تصل الأميبا الى الدماغ، وهل السباحة خطيرة في هذه الحالة؟
د. مازن: هذه الأميبا تصل إلى الإنسان عن طريق الأنف، ومن هناك يمكنها أن تتحرك عبر المسار المرتبط بعصب الشم حتى تصل إلى الدماغ، وهناك يمكن أن تسبب أضرارًا شديدة جدًا. وهذه النقطة مهمة في فهم طبيعة المرض؛ فالعدوى لا ترتبط بمجرد وجود الإنسان في المياه أو شربه منها، وإنما بالخطر الناجم عن دخول مياه تحتوي على الأميبا إلى الأنف. ولهذا يرتبط جزء كبير من الحالات المعروفة عالميًا بأنشطة مثل الغطس والقفز والسباحة تحت سطح الماء، حيث تزداد إمكانية اندفاع المياه إلى داخل الأنف.
القيامة: ما هي خطورة وصول الأميبا إلى الدماغ وإلى ماذا تؤدي؟
د. مازن: يُستخدم تعبير "الأميبا آكلة الدماغ" إعلاميًا لوصف Naegleria fowleri بسبب الضرر الشديد الذي يمكن أن تحدثه عندما تصل إلى الجهاز العصبي المركزي. وصول الأميبا إلى الدماغ يمكن أن يؤدي إلى حالة التهابية شديدة وخطيرة.
ويُعرف المرض طبيًا باسم التهاب السحايا والدماغ الأميبي الأولي أو Primary Amebic Meningoencephalitis – PAM، وهو التهاب حاد يصيب الدماغ والأغشية المحيطة به ويتطور بسرعة في الحالات المصابة.

القيامة: أين تعيش هذه الأميبا وهل للصيف علاقة بالإصابة؟
د. مازن: هذه الأميبا تعيش في المياه العذبة، وكلما كانت المياه أكثر دفئًا أصبحت الظروف أكثر ملاءمة لوجودها ونموها. وهذا الأمر يساعد في تفسير ظهور الإصابات بصورة أكبر خلال فصل الصيف، عندما ترتفع درجات حرارة المياه ويزداد في الوقت ذاته عدد الأشخاص الذين يمارسون السباحة والغطس.
إن ارتباط الحالات بفصل الصيف ليس أمرًا عشوائيًا، بل يرتبط بالظروف التي تساعد الأميبا على البقاء والنمو. وكلما ارتفعت درجة حرارة المياه وأصبحت أكثر دفئًا، أصبحت إمكانية وجود الأميبا أكبر. ولهذا نرى الحالات أكثر في فصل الصيف. وانخفاض حرارة المياه خلال الشتاء يجعل الظروف أقل ملاءمة للأميبا مقارنة بالأشهر الحارة.
لكن وجود هذه الظروف لا يعني أن كل بحيرة أو نبع دافئ يحتوي بالضرورة على الأميبا، كما لا يعني أن كل من يسبح في مياه عذبة دافئة معرض للإصابة؛ إذ تبقى العدوى نادرة للغاية.
القيامة: لماذا تظهر حالات كثيرة لدى الأطفال والفتية، وغالبا بعد أيام من السباحة؟
د. مازن: أحد التفسيرات يرتبط بطبيعة النشاط داخل المياه. نرى الحالات عند الأولاد أكثر، وليس بالضرورة لأن لديهم مناعة أضعف، وإنما لأنهم قد يمارسون الغطس والقفز واللعب في الماء بصورة تزيد من إمكانية دخول المياه إلى الأنف. وبالتالي، فإن نمط التعرض للمياه قد يكون أحد العوامل التي تفسر اختلاف معدلات الإصابة بين الفئات المختلفة.
ومن أكثر الجوانب خطورة في المرض أن الشخص قد يغادر مكان السباحة بصورة طبيعية، قبل أن تبدأ الأعراض بعد عدة أيام. والفترة بين التعرض وظهور الأعراض يمكن أن تختلف من حالة إلى أخرى، وإن الأعراض قد تبدأ خلال فترة تتراوح بين يوم و12 يومًا، وبمعدل يقارب خمسة أيام.
القيامة: ما أهمية الوقاية، وخصوصًا عند السباحة أو الغطس في المياه العذبة الدافئة؟
د. مازن: بما أننا نعرف أن الطريق الذي تدخل منه الأميبا هو الأنف، فإن إحدى أهم وسائل الوقاية هي محاولة منع دخول المياه إلى الأنف. وذلك باستخدام مشبك مخصص لإغلاق الأنف عند السباحة أو الغطس، وخصوصًا لدى الأطفال والأشخاص الذين يمارسون القفز والغوص المتكرر في المياه. إذا كان الطفل يغطس ويقفز في الماء، فإن إمكانية دخول المياه إلى الأنف تكون أكبر. لذلك فإن إغلاق الأنف يقلل من هذا التعرض.

القيامة: ماذا يميز هذه الالتهاب عن غيره، وكيف يتم التعامل معه طبيا؟
د. مازن: التعامل مع هذا الالتهاب يختلف عن الكثير من الالتهابات البكتيرية الشائعة التي تتوافر لها مضادات حيوية محددة. هذه عدوى نادرة جدًا وخطيرة جدًا، وليست مثل بعض الأمراض الجرثومية التي نعرف فيها المضاد الحيوي المناسب ونستطيع السيطرة عليها بسهولة. ويتم التعامل مع الحالات المصابة طبيًا من خلال رعاية مكثفة ومحاولات علاجية متعددة، إلى جانب دعم الوظائف الحيوية والتعامل مع المضاعفات العصبية وارتفاع الضغط داخل الجمجمة. وبسبب الندرة الشديدة للمرض، تبقى الخبرة العلاجية العالمية محدودة، ولا يوجد علاج واحد يضمن الشفاء في جميع الحالات.
القيامة: ما مدى انتشار هذا المرض في بلادنا؟
د. مازن: علينا وضع الأرقام في سياقها الصحيح، وعدم تحويل الحالات الفردية إلى مصدر للهلع العام. فعدد الحالات التي سجلت في البلاد خلال السنوات الأخيرة محدود جدًا، ما يؤكد أن الإصابة استثنائية ونادرة للغاية.







