مناعة الأجساد ومناعة المجتمعات
الكاتب : الدكتور عاطف أنيس عبود - شفاعمرو
في ظل تصاعد الخطاب التحريضي الذي يستهدف الطواقم الطبية والصحية العربية العاملة في مستشفى رامبام، يبرز سؤال يتجاوز الخلاف السياسي أو الاجتماعي: ماذا يحدث عندما تتحول آليات الحماية في المجتمع إلى أدوات لإقصاء من يساهمون في حمايته؟
الطواقم الصحية العربية في رامبام ليست خارج المجتمع، بل في قلبه. تعمل إلى جانب زملائها من مختلف الخلفيات، وتواجه معهم المرض والألم، وتبذل جهدها لإنقاذ حياة الإنسان وتخفيف معاناته. لذلك، فإن استهدافها بسبب هويتها لا يهدد أفرادًا بعينهم فحسب، بل يمسّ قيمة أساسية في أي مجتمع سليم: أن يكون الإنسان وكفاءته وأخلاقه المهنية هي المعيار، لا قوميته أو دينه. وهنا تبرز صورة: "مناعة الأجساد ومناعة المجتمعات".
في الجسد، لا تكمن قوة جهاز المناعة في قدرته على الهجوم فقط، بل في قدرته على التَّمييز: أن يعرف ما الذي يشكل خطرًا حقيقيًا، وما الذي ينتمي إلى الجسد ويحميه. وعندما يفقد هذا التَّمييز، قد يتحول الدفاع إلى هجوم على الذات.
وكذلك المجتمع. فهو يحتاج إلى مناعة تحميه من الخطر، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى وعي يمنعه من اعتبار كل اختلاف تهديدًا. فعندما يصبح الخوف من الآخر قاعدة، ويتحول الاختلاف إلى تهمة، ويصبح الإقصاء وسيلة للحماية، تبدأ آليات الدفاع بإيذاء المجتمع نفسه.
المجتمع القوي ليس مجتمعًا متشابهًا، ولا مجتمعًا يخشى الاختلاف. قوته الحقيقية في قدرته على أن يختلف أفراده، وأن يحافظوا رغم ذلك على شعورهم بأنهم جزءٌ من نسيجٍ واحد. فالتَّنوع لا يُهدد الوحدة؛ ما يهددها هو تحويل التنوع إلى سبب للكراهية والإقصاء.
وقد لخّص السيد يسوع المسيح هذا المعنى الإنساني بكلمات بسيطة وعميقة: «فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمْ، افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ» (إنجيل متى 12:7). (أو كما جاء في التلمود البابلي: «ما لا تحبُّه لنفسك، فلا تَفعله لغيرك».
الطَّواقم الطبية في رامبام تعمل بأمانة ومهنية وشفافية. تدخل غرف المرضى لا لتسأل عن هويتهم، بل لتُخَفَّف ألمهم؛ ولا تنظر إلى انتمائهم، بل إلى حاجتهم. هذه هي جوهر الرسالة الطبية: أن يكون الإنسان أولًا.
ولهذا، فإنَّ الدفاع عن هذه الطواقم في وجه التَّحريض ليس دفاعًا عن فئة بعينها، بل دفاع عن قيم أعمق: عن الطِّب، وعن الكرامة الإنسانية، وعن حقِّ كلِّ إنسانٍ في أن يعمل ويخدم مجتمعه دون أن يكون أصله أو هويته سببًا لاستهدافه.
قوة المجتمع لا تأتي من صناعة أعداء دائمين، ولا من بناء جدران أعلى بين أفراده، بل من حكمته في حماية نفسه مع الحفاظ على إنسانيته وتنوُّعه. فالمناعة الحقيقية هي القدرة على التَّمييز بين ما يُهدِّد المجتمع فعلًا وما يُثريه ويضيف إليه.
وكما أنَّ الجسد لا يبقى قويًا إلا حين يعرف كيف يحمي نفسه من الخطر دون أن يهاجم خلاياه، فإن المجتمع لا يبقى قويًا إلا حين يحمي نفسه من الكراهية والخطر، دون أن يحوّل أبناءه المختلفين إلى أعداء. فالجدار المتين لا يفقد جماله بسبب اختلاف حجارته، بل قد يكون هذا الاختلاف مصدر قوته وجماله؛ وكذلك المجتمع، لا تقويه مطابقة أفراده، بل تنوعهم وقدرتهم على العيش معًا رغم اختلافهم.
ولعل قوة المجتمع الحقيقية تكمن في أسئلة بسيطة وعميقة:
هل نستطيع أن نختلف دون أن نكره؟
هل نستطيع أن نحمي أنفسنا دون أن نقصي الآخر؟
وهل نستطيع أن نحافظ على وحدتنا دون أن نفقد إنسانيتنا؟
إذا استطعنا ذلك، نكون قد بنينا مجتمعًا لا يحكمه الخوف، بل الحكمة؛ ولا تقويه الكراهية، بل الإنسانية. مجتمعًا يعرف كيف يحمي حدوده دون أن يغلق قلبه، وكيف يحافظ على تماسكه دون أن يقتل تنوعه. فالقوة الحقيقية ليست في أن نتشابه، بل في أن نختلف ونبقى قادرين على أن نعيش معًا.

تصوير مستشفى رمبام






