عَلى خُطَى «دُون تُونِينُو».. الكَارْدِينَالُ بييرباتيستا بيتسابالا رَاعِي الأَبْوَابِ المَفْتُوحَةِ الَّذِي اسْتَحَقَّ السَّلام

الكاتب : رمزي جريس كربوراني - القدس

حين تُقاس القامات الرسولية الكبرى، لا تُوزَن بأكاليل الأرجوان ولا ببريق الرتب، بل بسُمك الأثر الذي تتركه أقدام الراعي وهو يطأ عتبات النسيان، وبدفء الصلاة التي يسكبها في أزقة الوجع. من هذا المنظر الرفيع، لم تكن جائزة «دون تونينو بيلّو» للسلام مجرد وسامٍ يُضاف إلى سجلّ بطريرك القدس للاتين، غبطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بل كانت انحناءةً عالمية لإرثٍ روحاني وإنساني يستلهم أنفاسه يومياً من ثرى الأرض المقدسة وربوع المملكة الأردنية الهاشمية.

عَلى خُطَى «دُون تُونِينُو».. الكَارْدِينَالُ بييرباتيستا بيتسابالا رَاعِي الأَبْوَابِ المَفْتُوحَةِ الَّذِي اسْتَحَقَّ السَّلام

​أمانة الرعاية... صروحٌ تجمع أبناء الوطن ومظلة حانية للجميع

​إن نيافة الكاردينال لم يحصر رعيته في حدود الهيكل، ولا في فئةٍ دون أخرى، بل جعل من الأبرشية ومؤسساتها مظلةً حانية لكل أبناء الوطن على حدٍّ سواء. فتراه يُولي عنايةً استثنائية لِصُروح العلم، يرعى المدارس البطريركية لتكون حاضناتٍ للمواطنة الحقة والتآخي، تُشرع أبوابها لكل أبناء المجتمع من مسيحيين ومسلمين، تنشئهم على قيمة الإنسان أولاً، وتبني في عقولهم وقيمهم جسور المحبة والتسامح والعيش المشترك الذي تفاخر به ديارنا.

​ولم تقف رسالته عند التعليم؛ ففي العتمة المتسللة إلى أجساد المرضى وأرواح المسنين، يمتد ذراعه البطريركية نحو المراكز الصحية وبُيوت إيواء العجزة، يخدم كل محتاجٍ بقلب الأب الحنون، يُشرف على سَدّ رمق احتياجاتهم، ويرمم انكسارهم بلفتةٍ تعيد لشيوخ الوطن وقار سنواتهم الخضيب بالوفاء.

من خشبة المذبح إلى عتبات الدور: جغرافيا المحبة الميدانية

​ليس الكاردينال بيتسابالا راعيًا يُطِلّ من الأبراج العاجية أو يكتفي بالبيانات الرسمية؛ إنه "راعي الميدان والأبواب المفتوحة".

​ففي كُلّ رحلةٍ يقطعها بين مدن الأردن الأشمّ وبلدات الأراضي المقدسة، يتكرر المشهد الوجداني ذاته: يبدأ أمانته الرسولية من على المذبح، يقيم القداس الإلهي، يرفع القربان، وينشر كلمة السلام؛ وما إن ينتهي السّرّ الكنسي، حتى ينطلق سرّ الخدمة الميدانية. فيترجّل من منصته ليطوف البيوت بيتًا بيتًا، وحارةً حارة؛ يجلس مع العائلات، يستمع لهمومهم، يضع يده المباركة على رؤوس الأطفال، ويُصلي مع الطاعنين في السن تحت سقف منازلهم، مُحولًا الرعاية إلى تجسيدٍ حيّ لروح العهد الجديد.

​"إن الراعي الصالح لا ينتظر أن تُساق إليه الرعية، بل يذهب يتفقّد كل خاروفٍ باسمه، يُضمد الجراح، ويُوقِد في العتمة شمعة سلام."

البطريرك بيتسابالا في زيارة له لمدينة غزة

استحقاق السلام في زمن الانكسار

​تأتي جائزة «دون تونينو بيلّو»—تخليدًا لتلك الشخصية الأسقفية الإيطالية التي وهبت حياتها للمهمشين ونبذت العنف—لتجد صاحبها المستحق. فقد استطاع الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بمواقفه الثابتة، وشجاعته الأدبية، وزيارته المستمرة لقلب المعاناة في أحلك الظروف، أن يكون الصوت الصارخ بالحق والدفاع عن كرامة الإنسان، أيًا كان موقعه ودينه.

​نبارك لأبناء الرعية والطائفة ولأبناء الوطن كافة هذا الفخر؛ ونبارك لنيافة الكاردينال هذا التكريم الأممي المستحق. إن جائزة السلام لم تُعطَ للكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا لتزيده رفعة، بل اتسعت هي رفعةً حين اقترن اسمها باسمه الموقر.

الكاتب ​رمزي جريس كربوراني