رثاء المثلث الرحمات المطران بطرس حبيب المعلم
الكاتب : الدكتور عاطف أنيس عبود - شفاعمرو
نمْ قريرَ العينِ يا سيادةَ المطران المثلث الرحمات بطرس حبيب المعلّم، فقد أتممتَ الرسالةَ بأمانة، وحملتَ الصليبَ بمحبة، ومضيتَ في دروب الخدمةِ نقيَّ القلب، كبيرَ الروح، وفيًّا للإنسانِ حتى الرَّمق الأخير. ترجّل اليوم فارسٌ من فرسان الكلمة والإيمان، وانطفأت شمعةٌ ظلّت دهورًا تضيء دروب الناس بالحكمة والمحبة والحق. وبرحيل سيادتكم، لا تفقد الكنيسةُ "الرومُ الملكيّةُ الكاثوليكيّةُ" راعيًا جليلًا فحسب، بل يخسر الجليل والوطن والإنسانيّةُ قامةً روحيّةً وفكريّةً استثنائيّة، كرّست حياتها للرِّسالة لا للمجد، وللإنسان لا للمناصب.
من عيلبون، تلك القرية الجليليّة الوادعة التي أنجبتكم، انطلقت مسيرةُ رجلٍ اختزن في روحه طُهرَ الأرض وسُموَّ السَّماء، فظلّ وفيًّا لجذوره، متشبّثًا بإنسانيّته، منحازًا دومًا إلى الحقّ والمحبة والسلام. حملتم عيلبون في قلبكم أينما ارتحلتم، من حريصا إلى ليون، ومن البرازيل إلى الجليل، فكنتم ابنَ الأرض الذي لم تُغرِه المناصب، ولا بدّلته الأسفار.
كنتم مدرسةً قائمةً بذاتها في العلم والتَّواضع، جمعتم بين عُمق اللاهوت ورهافة الأدب، وبين إشراق الفكر ونقاء الرُّوح. كتبتم وترجمتم وعلّمتم، فخلّفتم إرثًا ثقافيًّا وروحيًّا سيبقى شاهدًا على سعة عطائكم وخصب رؤيتكم. لم تكونوا رجلَ منبرٍ فحسب، بل رجلَ حضورٍ حيّ، تدخلون القلوب قبل البيوت، وتتركون في النُّفوس أثرًا يشبه الضَّوء؛ هادئًا، عميقًا، خالدًا.
عرفناكم إنسانًا بسيطًا في هيبتكم، كبيرًا في تواضعكم، واسع الثَّقافة، نافذ البصيرة، عميق الإيمان. عشتم للمسيح حقًا لا قولًا، وجعلتم من خدمة الإنسان صلاتكم اليومية ورسالة عمركم. لم تكونوا مطرانًا يعتلي المسافات بينه وبين الناس، بل أبًا يسير بينهم، يحمل أوجاعهم بصدق، ويزرع في أرواحهم الرَّجاء والطَّمأنينة.
وأشهد، من موقع الامتنان الشَّخصي، أنّكم كنتم بالنسبة إليّ أكثر من مطران؛ كنتم أبًا روحيًا وصوتًا نقيًا لا يعرف المواربة ولا المجاملة. حين شجّعتموني على متابعة كتابة كتاب "على خطى السيد المسيح"، وكتبتم مقدمته وشاركتم في إشهاره، لم تمنحوني كلمات تشجيع عابرة، بل منحتموني ثقةً ومسؤوليّةً وإيمانًا بالكلمة الصَّادقة. وأذكر تلك الجلسة في عيلبون حين سلّمتموني المقدمة، فتحدّثتم بصدق العالم ونُبل المؤمن، فلم تُهادنوا ولم تُجاملوا، بل قلتم الحقيقة بمحبة، لأنّ الحقيقة عندكم كانت وجهًا من وجوه الإيمان.
وحتى بعد تقاعدكم، ظللتم الراعي السَّاهر الذي لم يعرف السُّكون. كنتم تردّدون بابتسامتكم الوادعة: "متقاعد… بس مش قاعد"، وكأنّكم كنتم تختصرون بهذه العبارة فلسفة حياتكم كلّها؛ حياةٌ لم تنحنِ للتعب، ولم تعرف الانكفاء، بل ظلّت صلاةً متواصلةً وعطاءً لا ينضب ومرافقةً أمينةً للناس في أفراحهم وأحزانهم.
نمْ قريرَ العينِ يا سيادة المطران، فقد تركتم وراءكم سيرةً أنقى من الضوء، وأثرًا أبقى من الكلمات. رحل الجسد، أمّا الروح فباقيةٌ في ذاكرة الجليل، وفي وجدان كلّ من عرفكم وأحبّكم، وفي كلّ كلمة حق زرعتموها، وكلّ قلبٍ رمّمتموه، وكلّ روحٍ قدتموها نحو الرجاء.
الراحة الأبديّة أعطه يا رب، والنور الدائم فليضئ له، وليكن ذكره مؤبّدًا ما بقي في الأرض من ينطق باسم المحبة والحق والخدمة الصادقة.
المجد لذكراه الطاهرة
13 أيار/ مايو 2026






